عندما أكون مسافراً إلى العاصمة الخرطوم، أحزم حقيبتي كأنني متجهاً إلى استراليا، أو في رحلة لاكتشاف جزيرة مجهولة في قلب المحيط الأطلنطي، وأطبّق ذلك المثل الإنجليزي الشهير الذي الذي أورده أنيس منصور:
- المسافر يجب أن تكون لديه عينا صقر ليرى كل شيء، وان تكون لديه أذنا حمار ليسمع كل شيء، وان يكون له فم خنزير ليأكل كل شيء، وان يكون له ظهر جمل ليتحمل أي شيء، وان تكون له ساقا مِعْزة لا تتعبان من المشي، وان تكون له حقيبتان: أحداهما امتلأت بالمال والثانية امتلأت بالصبر.!
أحياناً أنسى ما الذي أفعله كـ صقر، وما الذي أفعله كـ حمار، ولكن من كثرة المشاوير، امتلكت ساقا معزة جبارة، ذات دفع رباعي، لا تتأثر بالرمال، وكنت أطبق هذا المثل بحذافيره، عدا الحقيبة الممتلئة بالمال، الانجليز يحملون أموالهم في حقائب، إنهم أغنياء ومن الصعب مجاراتهم، أما أنا فأكتفي بمبلغ أوزعه على خمسة جيوب بالتساوي، فـ النشالون في الزحام هناك يسرقون الكحل من العين.
ومن ناحية أن تأكل كل شيء؛ دعاني صديقي إلى مطعم اعتقد أنه راقٍ، أتى لنا القوم بدجاجة مُحمّرة، جناحاها طويلان، ورجلاها طويلتان، لم أرْ منقارها ولكن أعتقد أنه طويلاً كذلك، وعلى ظهرها اثر كدمات وضرب عنيف، احترمت نفسي ولم أسأله هل أتت هذه الدجاجة من غوانتنامو أم من محاكم التفتيش.!
نسيت أن أخبرك أنني في السودان أسكن مدينة كوستي، ولا آتي إلى العاصمة إلاّ في الشدادِ القواصم، أو لمناسبة كبيرة، زواج فما فوق، أو موت فما تحت، لذا سألني الكثيرين لماذا أنت في الخرطوم؟ أجبتهم إجابات متفرقة ومتباينة، مع أن المرء ليس في حاجة لأسباب خارقة ليكون في مكان ما.!
في رحلتي سجَلتُ زيارة عميقة إلى مقر صحيفة حكايات، وهي الصحيفة التي أعمل بها، وما لا يعرفه القُراء الكرام أنني حتى الآن أتيت مقر الجريدة مرتين فقط، في المرة الأولى كانت زيارة خاطفة، والمرة الثانية انقسمت إلى خمس مرات خاطفات، أما مراسلتي لـ الصحيفة، فـ البركة في الانترنت، حيث ينطلق المقال من كوستي ويصل الخرطوم، ليدخل بسرعة التفكير في جهاز سكرتير التحرير الأستاذ (العشاي)، الذي يزجُّ به في كمبيوتر رئيس التحرير الأستاذ وجدي الكردي، الذي يقلّبه ذات اليمين وذات الشمال، ثم يدفع به إلى كمبيوتر (أدروب) المصمم البارع، الذي يضعه في الصفحة أفقياً أو رأسياً حسب درجة حرارة الغرفة، ومنها يذهب إلى المطبعة، ثم يأتي إلى عزيزي القارئ، فيقرأه ومعه بقية الصحيفة، التي بعد أن ينتهي من قراءتها، هنالك احتمال كبير أن يُذهب بها إلى المطبخ لتُفرش تحت قطع طعمية أو شرائح بطاطس مقلية، أعتقد أن هذه هي رحلة الجريدة من الألف إلى الياء.!
دخلت مبنى صحيفة حكايات من بابها كما يفعل أي شخص محترم، وللعلم أن من يدخل مبنى (حكايات) للمرة الأولى بدون خارطة أو دليل، أو بلا هدى أو كتاب مبين؛ فهو يستحق ما يحدث له، المبنى ليس كبيراً، ولكنه يشبه المتاهة، الدخول إليها سهلاً والخروج منها صعباً، وقد تقوم الساعة ولا تعرف نفسك هل أنت بالقرب من مكتب (لقمان)، أم انك في طريقك إلى مكتب (أحمد يونس) مدير التحرير.!
في أثناء تواجدي هنالك تقمّصتُ شخصية الدليل السياحي، فـ الكثير من الزوار الكرام يحومون داخلها ويدورون لربع ساعة، ثم يسألونني عن طريق الخروج.!