الخميس، 22 أكتوبر 2009

رحلة إلى مقر صحيفة حكايات

عندما أكون مسافراً إلى العاصمة الخرطوم، أحزم حقيبتي كأنني متجهاً إلى استراليا، أو في رحلة لاكتشاف جزيرة مجهولة في قلب المحيط الأطلنطي، وأطبّق ذلك المثل الإنجليزي الشهير الذي الذي أورده أنيس منصور:

- المسافر يجب أن تكون لديه عينا صقر ليرى كل شيء، وان تكون لديه أذنا حمار ليسمع كل شيء، وان يكون له فم خنزير ليأكل كل شيء، وان يكون له ظهر جمل ليتحمل أي شيء، وان تكون له ساقا مِعْزة لا تتعبان من المشي، وان تكون له حقيبتان: أحداهما امتلأت بالمال والثانية امتلأت بالصبر.!

أحياناً أنسى ما الذي أفعله كـ صقر، وما الذي أفعله كـ حمار، ولكن من كثرة المشاوير، امتلكت ساقا معزة جبارة، ذات دفع رباعي، لا تتأثر بالرمال، وكنت أطبق هذا المثل بحذافيره، عدا الحقيبة الممتلئة بالمال، الانجليز يحملون أموالهم في حقائب، إنهم أغنياء ومن الصعب مجاراتهم، أما أنا فأكتفي بمبلغ أوزعه على خمسة جيوب بالتساوي، فـ النشالون في الزحام هناك يسرقون الكحل من العين.

ومن ناحية أن تأكل كل شيء؛ دعاني صديقي إلى مطعم اعتقد أنه راقٍ، أتى لنا القوم بدجاجة مُحمّرة، جناحاها طويلان، ورجلاها طويلتان، لم أرْ منقارها ولكن أعتقد أنه طويلاً كذلك، وعلى ظهرها اثر كدمات وضرب عنيف، احترمت نفسي ولم أسأله هل أتت هذه الدجاجة من غوانتنامو أم من محاكم التفتيش.!

نسيت أن أخبرك أنني في السودان أسكن مدينة كوستي، ولا آتي إلى العاصمة إلاّ في الشدادِ القواصم، أو لمناسبة كبيرة، زواج فما فوق، أو موت فما تحت، لذا سألني الكثيرين لماذا أنت في الخرطوم؟ أجبتهم إجابات متفرقة ومتباينة، مع أن المرء ليس في حاجة لأسباب خارقة ليكون في مكان ما.!


في رحلتي سجَلتُ زيارة عميقة إلى مقر صحيفة حكايات، وهي الصحيفة التي أعمل بها، وما لا يعرفه القُراء الكرام أنني حتى الآن أتيت مقر الجريدة مرتين فقط، في المرة الأولى كانت زيارة خاطفة، والمرة الثانية انقسمت إلى خمس مرات خاطفات، أما مراسلتي لـ الصحيفة، فـ البركة في الانترنت، حيث ينطلق المقال من كوستي ويصل الخرطوم، ليدخل بسرعة التفكير في جهاز سكرتير التحرير الأستاذ (العشاي)، الذي يزجُّ به في كمبيوتر رئيس التحرير الأستاذ وجدي الكردي، الذي يقلّبه ذات اليمين وذات الشمال، ثم يدفع به إلى كمبيوتر (أدروب) المصمم البارع، الذي يضعه في الصفحة أفقياً أو رأسياً حسب درجة حرارة الغرفة، ومنها يذهب إلى المطبعة، ثم يأتي إلى عزيزي القارئ، فيقرأه ومعه بقية الصحيفة، التي بعد أن ينتهي من قراءتها، هنالك احتمال كبير أن يُذهب بها إلى المطبخ لتُفرش تحت قطع طعمية أو شرائح بطاطس مقلية، أعتقد أن هذه هي رحلة الجريدة من الألف إلى الياء.!

دخلت مبنى صحيفة حكايات من بابها كما يفعل أي شخص محترم، وللعلم أن من يدخل مبنى (حكايات) للمرة الأولى بدون خارطة أو دليل، أو بلا هدى أو كتاب مبين؛ فهو يستحق ما يحدث له، المبنى ليس كبيراً، ولكنه يشبه المتاهة، الدخول إليها سهلاً والخروج منها صعباً، وقد تقوم الساعة ولا تعرف نفسك هل أنت بالقرب من مكتب (لقمان)، أم انك في طريقك إلى مكتب (أحمد يونس) مدير التحرير.!

في أثناء تواجدي هنالك تقمّصتُ شخصية الدليل السياحي، فـ الكثير من الزوار الكرام يحومون داخلها ويدورون لربع ساعة، ثم يسألونني عن طريق الخروج.!


الثلاثاء، 20 أكتوبر 2009

لا تكن ناحساً ولا منحوساً

أحد أقاربي لعل اسمه (حسن)، فتىً رقيق الحاشية، هادئ الطباع، دمث الخلق، لّين العريكة، لم يكن نقل أخبار الموت من هواياته المفضّلة، ولكن حظه السيئ هو ما يضعه في هذا الموقف المُحرج، أذكر مرة أنه أتى لأهل بيتنا بخبر وفاة أحد جدودنا، بكت جدتي وانتحبت أمي كثيراً، انهمرت دموعهما سحّاً وتسكابا، عدّت هذه الحادثة كغيرها، ولكن بعد أقل من شهر، قريبي نفسه، (تذكرت يبدو لي الآن أنه ليس حسن)، أتى بخبر موت أحد أقاربنا من الدرجة الأولى، فَعَلتْ جدتي وأمي ذات الطقوس التي تؤدَى عندما يتوفى أحد أقاربنا من الدرجة الأولى، أما قريبي، تأكدت إنه ليس (حسن)، وثمة احتمال لا بأس به أن يكون اسمه (محمود)، هذا الرجل صار أهل بيتنا يتشاءمون برؤيته تماماً، خصوصاً بعد أن أخبرهم بموت قريبتنا من الدرجة الثانية بعد أسبوعين فقط من آخر خبر نقله.!

سالتُ قريبي هذا، (يبدو لي انه ليس محمود أيضا .. سأتذكره وأخبرك باسمه الحقيقي فيما بعد)، سألته:

- لماذا يختاره القدر دائماً ليكون هو أول من يبلغ عن أخبار الموتى؟

صمت قريبي، الذي تأكدت تماماً من أن اسمه (عبد الملك)، صمت، وحدجني بنظرة طويلة، وأبدى نواجذه لغير تبسم، ثم هزّ رأسه هزةً يمكن ترجمتها إلى:

- ليس ذنبي أن يموت غيري ويصادف أن أكون أنا من ينقل نبأ موته، ثم تلومني الناس على هذه الخدمة.!

أعتقد أن هذه هي ترجمة هزة رأسه، ولو كنت تملك ترجمة أفضل فلا تبخل علينا بخبرتك في هذا المجال.!


معظمنا يتشاءم بأشخاص معينين، أشخاصٌ نعلم تماماً أنهم ليسوا هم السبب الأساسي في مصائبنا الجسام، ولكن هذا لا يمنعنا أن نتشاءم منهم، فالنفس عندما لا تجد التفسير المنطقي تميل إلى الخرافة، وتعزي الأمر إلى أن هذا الشخص منحوس مكنوس، يتبعه النحس حيثما ذهب، خصوصاً أن خبر الموت يحتاج إلى نحس مبالغ فيه، أحياناً أنت نفسك قد تقع ضحية هذا الموقف، حتى ولو كنت من الطراز الذي لا يتدخل فيما لا يعنيه.

بالطبع دائما هنالك نحس أقل، ولكنه لا يعفى صاحبه من أنه شؤم، تصور معي أن أحد أصحابك كلما يدخل إلى منزلكم تقطع الكهرباء من الحي كله، وأن هذه الحالة تكررت خمس مرات على التوالي، على الرغم من أن القدر وقانون الصدفة هو ما يتحكم في مثل هذه الأمور؛ لكنك في داخلك قد تصنف هذا الشخص أنه نحسٌ يمشي على قدمين، وسيصعب عليك أن تفسر الأمر بأنه صدفة، على الرغم من أن الصدفة مرات تفعل أشياء غريبة، ودونك حادث غريب وقع في أمريكا، فـ في إحدى مباريات (البيزبول) الأمريكية طارت الكرة لتضرب يد مشاهد كان ينظف أذنه بعود ثقاب، وكان أن خرق طبلة أذنه، لماذا اختارته الكرة بالذات من بين عشرين ألف مشاهد لتضرب يده ويثقب أذنه ويصاب بالصمم؟ لابد من أنها الصدفة التي هي ذاتها القدر.!


أناس كثيرون لا ذنب لهم في أشياء كثيرة، ولكن الناس تتشاءم بهم، ودونكم قريبي الذي قصصته عليكم، الذي أسمه (عبد الملك)، ولكن لا أدري لماذا أعتقد أن اسمه (عبد الوكيل)، هذا الفتى صار كلما يأتينا، ولو في زيارة ودية، ما إن تراه جدتي حتى تلمع الدموع في عينيها، وتصرخ فيه ليخبرها من مات من الأهل هذه المرة، حتى اضطر لأن يتصل بنا قبل مجيئه ليخبرنا أنه سيأتي بيتنا بعد قليل وليس في معيّته خبر وفاة.!


يُحكي أنّ هنالك ملكاً خرج للصيد، فقابل رجلاً أعوراً، تشاءم به، فأمر بسجنه وضربه، وبعدما عاد الملك مُظفراً من رحلة الصيد، استدعى الرجل واعتذر له، هنا قال الأعور بعد أن طلب الأمان:

- أيها الملك المبجل أنت قابلتني فكان صيدك مُظفراً، وأنا قابلتك فضُربت وسُجنت بلا ذنب، ترى أينا الأشأم على الآخر؟!

سؤال صعب

يُحكى في طرفة أن أحد الأطفال سأل أمه ببراءة ذلك السؤال الأزلي الذي يسأله الأطفال ولم توجد له إجابة شافية حتى الآن:

- يا ماما أنا كيف أتيت إلى الدنيا؟

تحيّرت الأم، وبعد جهد جهيد وتفكير عميق، نحتت له كذبة مفادها أنها وضعت ملعقة سكر تحت مشمع أرضية المطبخ، وفي الصباح رفعت المشمع ووجدته.!!

صدق الطفل هذا القول ووضع في قرارة نفسه أن يخوض التجربة، فـ إذا كان إنتاج الأطفال بهذه السهولة فهو يرغب في امتلاك واحد، فعلها، غافل أمه ووضع ملعقة سكر تحت المشمع، وفي الصباح رفعه متشوقاً ليرى مولوده الجديد، فإذا به يجد جندباً كبيراً، فقبضه بـ يديه الصغيرتين وخاطبه بصيغة العاقل البالغ المكلف:

- والله لو لم تكن ولدي لتقتلك.!!

حكاية جدتي وورق الصحيفة

ذات يوم قالت لي جدتي كلاماً بمعني:

- والله صحيفتكم التي تكتب فيها أنت .. صحيفة جميلة جداً.!

تعجّبْتُ من كلامها، وأنا أعرف تماماً أنها لا تقرأ ولا تكتب، ولم تكتشف بعد أن حرف الواو غير منقوط، ولا تعرف حتى الآن هل يتجه حرف الدال لليمين أم للشمال؟.

ولكن فيما بعد عرفت أن جدتي كانت لديها مشكلة في العثور على ورق جرائد جيّد، بحيث يتشرب بـ الزيت الناتج عن تحمير البطاطس دون أن يلوث البطاطس نفسها بالحبر.. إذن فقد حُلت المشكلة جذرياً.. ووجدت جدتي ضالتها في صحيفتنا (صحيفة حكايات) ذات الورق الممتاز والحبر الأصلي، ولكنها طمأنتني بأنها تقطع صورتي الموجودة على رأس المقال أولاً قبل استخدام الجريدة، ثم أضافت مرة أخرى:

- والله ما شاء الله ورقها ممتاز.!

قلت لها: ونِعْمَ بـ الله.!


فن التشكيل : تعقيد بلا سبب!!

الفن التشكيلي –المعقد منه فقط- نوع من أنواع الفنون التي لم يفتح الله عليّ بفهمها بتاتاً، وأقفُ من جميع اللوحات التشكيلية الغريبة موقف المحايد، لستُ ضدها، ولكنني بـ التأكيد لستُ معها، ولستُ مع أي شيء لا يمكن فهمه بـ العقل المجرّد، خصوصاً أن بعض الفنانين عندما تسأله عن شرح أحدى لوحاته، يقول لك أن ما يرسمه من فن يقع في نطاق الأشياء التي لا تُشْرح ولا تُفسّر ولا تُستحدث من عَدَمْ، وقد يضيفك قائلاً:

- إذا كنت تملك ربع أوقية من الحس الفني، يمكنك فهمها بـ تشرّبها عبر مسامات روحك مباشرة.!

(1)

أحياناً أزور معرضاً للفن التشكيلي الغريب، فـ أقف أمام لوحاته، وأتمعّن فيها بنظراتٍ تشبه نظرات الحجاج بن يوسف عندما ينوي قطع رقاب خصومه، وفي وقفتي أستدعي جميع الاحتمالات، ما الذي يقصده هذا الفنان؟ ما الذي يريد أن يوصله من جماليات عبر فنه؟ هذه اللوحة لا أفهمها ولكن ألوانها الهادئة تبعث الراحة في النفس، وتلك اللوحة الأخرى أيضاً لا أفهمها أيضاً ولكنها تعطيني شعوراً بالانقباض، وبالذات تلك الأشياء المرعبة ذات اللوامس والأشياء التي تسيل منها، إنها لا تعطي شعوراً بالارتياح على الإطلاق، هل هذا ما يريد الفنان الوصول إليه؟ قد يتهمني البعض بفساد ذوقي الفني، ومن يفعل ذلك أتمنى أن يدعو لي دعوة بظهر الغيب أن يفتح الله عليّ بفهم هذا الفن.!

(2)

أحد أصدقائي فنان تشكيلي يرسم لوحات مرعبة، زرتُ مرة أحد معارضه الفنية، وكلّفني بمهمة هي أصعب من خوض (معركة طروادة) بغير سلاح، طلب مني أن أسدّ مكانه في المعرض لمدة ساعة واحدة، لأن لديه مشواراً مهماً، وفي هذه المدة يتوجب عليّ أن أشرح لزوار المعرض ما يقصده من لوحاته العجيبة، رجوته أن يعْفيني من هذه المهمة، لأنه أسْهل عليّ أن أواجه لوحدي جيشاً جرّاراً من المغول على سفوح هضبة التبت من أن أشرح لوحة واحدة، بـ الذات وإن خبرتي في شرح اللوحات ليست بالعريضة، وأكبر إنجاز بطولي يمكن أن أقوم به في هذا الصدد، هو أن أشرح لوحة بها جدول ماء يجري، وبجانبه نساء يحملن الجرار على رؤوسهن وفي الجدول تسبح بطة سعيدة، ومن يسألني عن لوحة كهذه يمكن أن أقول له بكل ثقة إنها تمثل الريف بكل جماله وشفافيته.!

لم يعبأ صاحبي بكلامي، وتركني مع لوحاته التي نظرت إليها فوجدت فيها أشياء لا أدري كنهها، تفعل أموراً لا أدري ما هي.!

وكـ العادة كما في مثل هذه الأمور، خرج وبعد دقائق انهمر الزوار على المعرض كـ المطر، هذا يسألني عن لوحة مرسوم بها شيء يشبه الشبشب يخرج من وسطه قرن استشعار طويل، فـ أجيبه بأنها المشاعر السلبية في نفس الـ بني آدم، وآخر يسألني عن لوحة ينبعث من أحد أركانها دخان يشبه برلين حين دخلها الحلفاء، فأقول له إنها ترمز لانبثاق الـ أنا في النفس البشرية، بالطبع أحيانا اعترف أنني ما اعرفه عن لوحة معينة ليس أكثر مما اعرفه عن حيوان (الأرماديللو) .. ويسألونني عن (الأرماديللو) نفسه .. فأقول: الله أعلم.!

(3)

وبما أن المصائب لا تأتي فُرادى، في هذه اللحظة أتى وفد من التلفزيون، سألوا عن مصمم المعرض وصاحب هذه اللوحات البهيجة المفعمة بـ الأمل، أجبتهم بأنه غير موجود، طلبوا مني أن يجروا معي لقاءً تلفزيونياً باعتباري بدل فاقد، بل وطلبوا مني أن أشرح إحدى اللوحات للمشاهدين الكرام، أنا الذي كنت أعتبر نفسي العربجي الوحيد في المعرض، يطلبون مني شرح لوحة على الهواء مباشرة، عموماً، لم يكن هناك مفر، وجّهوا نحوي عدسة الكاميرا، وبدأتُ الحديث، لا أتذّكر التفاصيل، ولكن قلتُ كلاماً راقياً وعميقاً جداً عن الفن وعلاقته بالحياة، ولم يكن يعيبه إلا أنني نفسي لا أفهمه، لا أتذكر اللقاء كله، ولكنني تحدثتُ عن تأثير الفن في المجتمع، وتأثير المجتمع في الفن، وربما تحدثت عن تأثير عادة حك الأنف على الإرهاصات الأيدلوجية لنظرية (لامبروزو)، وطعّمت كلماتي بـ المزيد من السريالية والتكعيبية، وبعض من كلام المثقفين إيّاه.

(4)

بعدها اخترت لوحة لأشرحها للمشاهدين، كانت لوحة تتسم بطابع الاشمئناط، وبها شيء يجري كـ الظليم، وبقربه شيء طويل يشبه (الحنكليس)، وتحته شيء يشبه سحلية فشلت بالتظاهر بأنها بطيخة، واللوحة تبدو من بعيد كبطن ضفدعة تم وضعها فوق مقلاة، شرحتها بالتفصيل وقلت أشياء غير موجودة في اللوحة بتاتاً مثل ظاهرة (ديفاجو)، وبررتُ الأمر بأن الخطوط الحادة البارزة فيها توحي بالحتمية، بينما المنحيات الناعمة توحي بانكسار الروح.!

المهم أنني لم أقصّر في الشرح بتاتاً، ثم ذهب فريق التلفزيون، ومن المؤكد أنني تركت في نفوس المشاهدين الكرام انطباعاً لا باس به بإحساس الفن العميق.!

(5)

عُرضتْ إحدى اللوحات الفنية على الرئيس الأمريكي (إبراهام لنكون) ليبدي فيها رأيه، وقيل أنها من صنع فنان حديث، فتأملها الرئيس قليلاً ثم قال:

- استطيع أن أقول بحق أن الفنان الذي صنع هذه اللوحة فنان مُبدع، لأنه رسم شيئاً لا شبيه له في السماوات ولا في الأرض ولا في أعماق البحار.!


صفحة من مذكراتي - 3

(1)

قال لي أخي التوأم:

- يجب أن تغيّر صورتك في الصحيفة.!

أخي الأصغر منه قال لي:

- يجب أن تغيّر صورتك في الصحيفة.!

أحد أصدقائي أيضاً طلب مني تغيير صورتي في الصحيفة ، جاري يعمل مصوراً وصاحب استديو عتيق، في كل مرة يقابلني فيها يطالبني بتغيير صورتي في الصحيفة.!

يبدوا أن صورتي في الصحيفة صارت هذه الأيام أكبر من أن يستوعبها العالم، ويبدو كذلك أن قطاعاً لا بأس به ممن يهمهم أمري تركوا مصالحهم وصبّوا جام اهتمامهم على صورتي المسكينة.

سألتهم:

- لماذا أغيّر صورتي في الصحيفة ؟ خصوصاً وأنني لا أجد سبباً قوياً ومقنعاً لتغييرها، ما عيبها؟ هل أصبحت تسبب للقراء تلوثاً بصرياً؟ أم أن العلماء اكتشفوا -قبل فوات الأوان- أن النظر إلى صورتي يسبب سرطان البنكرياس؟ أم يا ترى أنها السبب الرئيسي في خروجنا من تصفيات كأس العالم؟.

كان ردّهم بأن صورتي صارت قديمة، كل الصحفيين في الصحيفة التي أعمل بها (صحيفة حكايات) غيّروا صورهم، وأحصوهم لي واحداً واحداً، الأستاذة (منى سلمان) غيّرت صورتها ثلاث مرات، الدكتور (فتح العليم عبد الله) بدّل صورته ووثق لها في مقال مستميت، الأستاذ (سعد الدين إبراهيم) غيّر صورته ذات مرة، كذلك الأستاذ (علي يس) غيّر صورته، الأستاذ (شوقي بدري) فعل ذات الشيء، كل العالمين غيّروا صورهم، ما عداك، لماذا تخالف الجميع وتصرّ على صورتك القديمة؟

طالبتهم أن يبدوا لي أسباباً غير القِدَم، لأن من يسمع كلمة قديمة هذه يظن أن هذه الصورة لها خمس وأربعين حولاً، مع أن عمري في الجريدة نفسها لا يتعدي الثلاثة أعوام.!

(2)

انقسم القوم إلى قسمين: منهم من قال إنها أصغر مني وأنني أبدوا أكبر بعض الشيء عندما ينظر إليّ أحدهم بالعين المجردة، القسم الآخر أصدر فتوى وقال أنها أكبر مني، وهؤلاء حجتهم باطلة وروايتهم ضعيفة وبلا سند، يمكن أن تكون صورة أي ابن آدم أصغر منه، ولكنه مهما اجتهد لا أظنها ستكون أكبر منه، ثم أن هنالك عدة أسباب تمنعني تغيير صورتي في الأيام الحالية، منها أنني بالكاد أجد الزمن الكافي للتنفس، دعك من تخصيص وقت للجلوس أمام مصوّر ليأمرني أن ألتفت ذات اليمين قليلاً، ثم يغيّر رأيه سريعاً ويقول لي أن ألتفت إلى اليسار بعض الشيء ليرجعني لذات النقطة الأولى، ويختم قوله بأن أرفع رأسي قليلاً، ثم يبعد عينيه عن عدسة الكاميرا ليتأمل في جماليات الكادر بنظرة شاملة، ويطلب مني ألاّ أرمش ولا أتنفس، ثم يحسب من واحد إلى ثلاثة، وأتذكر هنا قول (آينشتاين) في الدقيقة التي تبدوا كـ سنة إذا وضعت يدك على مقلاة، وأنا أمام المصوّر أرى أن الفترة بين الواحد والاثنين تكفي لتصوير مسلسل مكسيكي من ألف حلقة، ثم بعدها يبدأ المصور يمطرني بالفلاش، ومن حِكَم الله في عباده أنني لا أرمش إلاّ أثناء أخذ اللقطة تماماً، وأوقّت لها لا إرادياً بدقة لا تتوفر لدي ضفدع ماهر عند اصطياده حشرة تعيسة، ينظر المصوّر بـ استياء إلى اللقطة في شاشة صغيرة تنبعث من جانب الكاميرا كـ أذن البعير، يبحلق في صورتي ذات العينين المغمضتين، ثم يمط شفتيه بأسف ويطلب مني أن أجلس لإعادة جلسة التعذيب مرة أخرى، وهذه المرة أقترحُ عليه أن يُصوّرني على حين غِرةّ، أي تصوير فجأة، وليس هنالك داع للحساب من واحد إلى ثلاثة، فهذا الزمن يكفي لدفع قمر صناعي خارج الغلاف الجوي، وإن كان لابد فليحسب من الصفر للواحد.!

(3)

ما دام الأمر صعباً هكذا.. ألا ترى معي أن ذهابي إلى الاستديو مغامرة لا وقت لدي لخوضها، بل ولا أرى سبباً وجيهاً لتغيير صورتي في الأيام الحالية على الأقل، إنها والحمد لله تؤدي مهمتها المُوكل إليها بكل تجرّد وإخلاص، وإنني متمسك بها حتى النخاع، خصوصاً وأنني قد اكتشفت مؤخراً أن صورتي تشبهني كثيراً منذ أن مررتُ بذلك الموقف السخيف مع جاري صاحب البقالة الذي أبتاع منه حاجياتي كل يوم، وفي ذلك اليوم قال لي وهو ينقر الميزان بشيء له حيزوم طويل ليحثه على أن ينزل لتتساوي الكفتان، وهذا هو السبب الذي أباد الله به قوم سيدنا (شُعيب) عليه السلام، كان يفعل ذلك أثناء وزنه لشيء يتبع لفصيلة البقوليات، قال وهو لا يزال يؤّز ميزانه بذات الشيء:

- والله يا أسامة اليوم هنالك صحفيّ في جريدة اسمها حكايات .. كتب موضوعاً جميلة .. وهو على فكرة يشبهك كثيراً.

ثم ضحك ضحكة صغيرة كـ تلك التي يضحكها المتعجب المندهش المستنكر، وقال:

- الغريب أن اسمه مثل اسمك (أسامة) هل تصدّق؟

اغتظتُ منه كثيراً، لا يمكن بالطبع أن أصدّق هذا الأمر، ولو كان بقربي مدفعاً من طراز (آر.بي.جي) كنت سـ أجعل المكان أجمل بعد قليل، ولكنني تحاملت على غيظي وقلت له:

- سبحان الله .. يخلق من الشبه أربعين!

وذهبت منه وأنا أكاد أن أنفجر، أحد أبناء الحي تطوّع وصحح معلوماته بأنني أسامة الصحفي في (صحيفة حكايات)، بعدها صاحب البقالة صار كلما يراني يضرب يداً بيد متعجباً ويتمتم في سرّه بكلمات لا أعرفها، وإن كنت أتمنى.!

(4)

ومن هذا الموقف اكتشفتُ أن صورتي تشبهني والحمد لله، وأقنعتُ كل من يطالبني بالتغيير بأن عدم تغييري لصورتي سوف لن تتغير بسببه نواميس الكون، لن يحدث بسبب ذلك خسوف جزئي للقمر، ولن تغرقنا الفيضانات، وسيظل سعر الدولار ثابتا كما هو، لن يتسع ثقب الأوزون أكثر مما هو عليه، لذلك .. ولجميع الأسباب أعلاه، ستظل الصورة باقية حتى إشعار آخر.!

السحر العجيب في جلب الحبيب

(1)

من المألوف جداً أن تجد مُشعوذاً يفرش (العروق) على قارعة الطريق في الأسواق الشعبية عندنا في السودان، والعروق هي جذور أشجار ما، بعض الناس يتوسّمون فيها الخير، وهي غير معروف كنهها، وأتمنى أن أدخل كلية الزراعة مخصوص لأعرف من أين يأتون بها، ويدّعى المشعوذ أن لديه من (العروق) ما يعالج كل شيء، ابتداءً من (داء الإسقربوط) ومروراً بـ (حمى الضنك)، بل وحتى (مرض شاغاز) يعالجه الرجل، ومع كل ما سبق تجد عنده ذلك العرق المشهور والمُسمى بـ (عِْرق المحبّة)، وهذا (العِرْق) عبارة عن جزء مقطوع من جذر شجرة مجهولة الهوية، ولكن اجتهاداً مني ومن باب أخذ الأجر في القارئ اعتقد أنها من شجر (العرعر)، ومن يلبس هذا (العرق) –من الجهلاء- كـ تميمة؛ يقال أنه سيصبح محبوباً من الجميع أو من شخص معين أو (شخصيّة) معينة – وهذه قد يكون معناها مؤنث (شخص) والله أعلم.!

(2)

الآن .. ونحن في القرن الحادي والعشرين، ومع مجاراة العولمة والكونية واقتصاديات السوق الحر والبحث عن الهوية، صار الأمر أكثر تقنيناً وتقنية، ومن الظاهر أن البعض قد تركوا المُشعوذين من الطراز الذي يطلب منك إحضار (ريش هدهد يتيم) أو (رجل نملة مصابة بالبواسير)، وانتشر على الإنترنت فُكياء جدد –جمع فكي، والفَكِي هو المشعوذ في العامية السودانية- وصار بإمكانك أن تجد على شبكة الإنترنت من يدّعى أنه بإمكانه أن يجلب لك الحبيب خلال خمسة ساعات لا غير، أي أنهم – كما يدعون- يمتازون بسرعة في الأداء ودقة في العمل!

أنا شخصياً مثلك تماماً لا أقتنع بهذا، لأنه لو كان صحيحاً سيصير من المتاح لكل من يملك ثمن مقابلة هذا (الفكي) أن يتزوج ملكة جمال العالم بلا مؤخر صداق، أو أن تهواه واحدة من جميلات ومستحيلات الشاشة الفضية، ابتداءً من حسناوات هوليود غرباً، مروراً بجميلات الهند شرقاً- وبعدها تجد في موقع الروحاني أو (الفكي الإلكتروني) دعاية عن نفسه بأن لديه خبرة عشرين عاماً في جلب الأحبة إن جاروا وإن عدلوا، ومخاطبة الأرواح الهائمة في ملكوت الله وتسخيرها، بل ولديه (خُدّام) للبيع، وإذا أردت خادماً من الجن سيوفره لك في مدة وجيزة ولك تتصرف به كما تشاء، وبعد أن يُملّكُكَ الروحاني المزعوم خادمه المُفترض، تكون حراً في استخدامه وتسخيره.!

لست أدري هل يمكنه أن يجلب لك الخضار من السوق أم لا؟ ولكن يقولون أنه يمكنه أن يفيدك في أشياء كثيرة منها جلب الحبيب الذي نفر وولى بعيداً عن مدارات قلبك الولهان.!

وهذا يعتبر أسلوب متطور في تكنولوجيا الخزعبلات، والحمد لله لم يتوصل إليها (فكيائنا) في السودان، وإلا لكان هذا على مجتمعنا أنكى من السيف وقعةً، فنحن لم نستطع حتى التغلب على الشعوذة البدائية دعك من أن تدخلها العولمة، ولكن ينبغي أن تعلم أن الدخول في دائرة هذه الطلاسم هو في حدّ ذاته خطأ من النوع الذي لا يكفي الندم لإصلاحه.!

(3)

أعتقد أن العاشق الذي انتهت علاقته بمن يحب، سواء كان رجلاً أم فتاة، عندما يصل إلى مرحلة الاستعانة بقوى ميتافيزيقية خفية لإعادة الحبيب إلى أسوار قلبه، يكون قد انتقل من عاطفة الحب إلى غريزة التملّك، التي هي في حد ذاتها شطط يشبه تقويم العصا المعوجّة حتى يؤدي إلى ثنيها للجانب الآخر، ولست أدري أين تذهب كرامة المُحب المهجور حتى يصل في جريه -وراء حبيب لا يهواه - إلى مرحلة (عرق المحبة)، وإلى الهرولة وراء المشعوذين لجعله يحبه عنوة لا عن طواعية، فـ الحب هو العاطفة الوحيدة التي لا تستطيع إجبار أحد عليها، من السهل جداً أن تُأّلب عليك العالمين جميعهم ليكرهوك قبل أن تقوم من مقامك، ولكن أن تجبر أحد ما أن يُحبّك رغماً عنه؛ فهذا هو المستحيل ذاته، وإذا افترضنا حدوث ذلك بقوى مجهولة، سيكون بمثابة تخدير موضعي يزول بزوال المؤثر وتعود المشاعر القديمة أشدّ مِنْ وقع القدر.!

(4)

إذا فرّقت بينكم الأقدار، وتركك الحبيب، سواء أبدى أعذاره كما قال (معروف الرصافي):

وما والله هجرك باختياري - ولكن هكذا جرت الخطوب

أو هجَرَك على طريقة (أبو الفضل بن الأحنف) حينما قال:

هَجَرْتُكَ لمّا رَأيتُ الجَفَا - وإن كانَ هَجرُكَ عندي عَظيمَا

أو هجرك بأي أسلوب آخر، فما عليك أختي/أخي إلاّ أن تتبع منهج (الأعشى) وتودّع هريرة وتلحق بالركب الذي ارتحل من أمثال قيس وجميل وعنترة، ولا تحاول أن تفكر في تطبيق سياسة (السحر العجيب في جلب الحبيب) واللجوء للاستعانة بالجن أو الشياطين، ولا يوجد -حسب علمي- حتى الآن جن أو شيطان محترم تهمّه مصلحة ابن آدم لدرجة أن يجلب له حبيبه، ومن الأحسن أن تعتبر ما حدث قدر مكتوب، وتذكّر أنّ الأقدار ليست مهمتها الأولى تنفيذ أحلامك، وأن حركة انتقال الأحبة من عاشق لآخر لم تقف منذ عهد الجاهلية حتى يومنا هذا، وحتى لا تقعي أو تقع في حبائل من يطلب منك (سعابيل سحلية) فُسخت خطوبتها خلال أسبوع، أو دموع سلحفاة لم يسبق لها الزواج، حاول أن تداري أحزانك، وتتغلب عليها، وتأكد بأن الزمن كفيل بأن يمحو كل ألم كما يمحو سجود السهو غفلة من سها، وأعلم أن كل عاشق ذاق مرارة الهجر، مرّ بما مررت به، أنا متأكد أنك سوف تسهر كثيراً، وستعدّ النجوم كثيراً، وستعاني بعض الشيء من آلام الفؤاد وتباريح الهوى، ثم لا تلبث أن تُشفى من هذا كله فتشعر بالرضا عن الحياة مجدداً وتعاود مشوارك من جديد، وستكون على ما يرام، حتماً ستكون على ما يرام.!


صفحة من مذكراتي - 2

ذات يومٍ، والشمس تنحدر نحو الأصيل، كُنّا جلوساً على طرف الشارع، أنا ومعي أحد أصدقائي الثرثارين، خلَف صديقي رجله اليمنى على رجله اليسرى، وكان يطرقع أصابع قدمه بإعزاز وكأنما اكتشف أن له قدم للتو، قال لي وسط صوت الطرقعات التي تشبه صوت مطر يهطل على لوح من الزنك:

- يا أخي يا أسامة .. أنت كاتب صحفي .. لماذا لا تكتب لنا في أحوال البلاد؟

خلفتُ رجلي وبدأت أطرقع مثله إلاّ أن أصابع قدمي خذلتني، هذه الحمقاء رفضت أن تطرقع، وبعد عدة محاولات فاشلة طرقع أصبع واحد لا غير، بعدها قلت له مُحبَطاً:

- أحوال البلد مثل ماذا بالضبط؟

رد علىّ وهو يحوّل من طرقعة أصابع أرجله إلى طرقعة أصابع يديه، والغريب أنه يمكنه أن يطرقع الأصبع الواحد أكثر من مرة، وهذه أعتبرها ظاهرة كونية نادرة، وموهبة أنا شخصياً لا أملكها، هذا الفتى أستطيع أن أتنبأ له بمستقبل مبهر في هذا المجال، ولو كانت هنالك جمعية لهواة طرقعة الأصابع سيكون رئيسها الفخري بلا منازع، أستطيع أن أضمن له هذا على الأقل، قال صديقي:

- اكتب عن الكهرباء المتدنية والماء الذي يقطع كلّ يوم .. أكتب عن خريجين الجامعات العاطلين .. أكتب عن تسهيل الزواج للشباب!.

تم عبارته وهو يهز رجله بحرية واستمتاع بحركة أغاظتني كثيرا، هذا الولد يهتم برجله اليمين بالذات وكأنها ميزان الأكوان وحقيقة الوجود، قلت له بما معناه وأنا أرمق حركة رجله بغيظ مكتوم:

- هذه المواضيع تكلم عنها الصحفيون والمفكرون والحادبون على أمر البلاد وقتلوها بحثاً وتنقيباً، ولم يجدوا لها حلاً ناجعاً حتى الآن، هبْ أنني كتبت أن الكهرباء تقطع تسع مرات بين كل خمس دقائق، هل سيبنون مفاعلاً نووياً في غضون شهر لمجرد أنني غير راضٍ عن قطوعات الكهرباء المبرمجة، لابد أنهم لديهم أسبابهم القوية لقطعها، والتي لن يعرفها المواطن العادي مثلي.

أما بالنسبة لمشكلة الخريجين العاطلين، لا أعتقد أن حلها يكمن في أن أتحدث عنها -أنا بالذات- في الصحف، وهي مشكلة عالمية موجودة حتى في الدول العظمى، ووضعنا كدولة من دول العالم الثالث يجعلنا لابد وأن نعاني من زيادة العطالة، وافترض أنني قلت أن الخريجين العاطلين صاروا أكثر من اللازم هذه الأيام، لا أعتقد -بعدها مباشرة- أن المسئولين سيصدرون قراراً بتعيين مليون خريج عاطل في مليون وظيفة شاغرة تنتظرهم على أحرّ من الجمر، وذلك لمجرد أن شخصي الكريم لا يرضى عن وضع العطالة في البلاد، أما تزويج الشباب، فهذه بالتحديد عبارة عن مشكلة تابعة للعطالة، ترتفع إذا ارتفعت العطالة وتنخفض معها.!


هزّ صديقي رجله شديدة الأهمية، ونظر إليّ بحنق وكاد أن يتهمني بأنني خرسيس نرسيس ولا أراعي مصالح المواطنين البؤساء، وقال بغضب لا مبرر له وهو يزيد من سرعة طرقعة أصابع يديه بحركة تشبه استدعاء الشياطين:

- حسنٌ .. ما رأيك في التلفزيون والفضائيات؟ هل تعجبك هذه السخافات التي يقدّمونها؟

هنا ضاقت أخلاقي كمسافة بين سطرين، أمرته أولاً أن يكف عن طرقعة أصابعه وهز رجله السخيفة هذه قبل أن أحوله إلى جردل، ثم أجبته بـ:

- أنني أفتح التلفزيون كل ثمانية وثلاثين سنة مرة واحدة، لذلك لا أعرف حتى ما يقدمه هؤلاء القوم، أحياناً أستخدم التلفزيون كـ جهاز راديو متطور يتيح لي الاستماع وسرقة النظر إليه بين الفينة والأخرى، وهذا حسب علمي لا يؤهلني لأن أكون ناقداً إعلامياً متميزاً يشار إليه بالبنان… و..

قاطعني قائلاً:

- حسنٌ .. دع التلفزيون .. ما رأيك بسلطات البلدية، لماذا لا تهتم بالمجاري التي تصرّف مياه الخريف، حاول أن تكتب في هذا الموضوع، قل لهم أن يوسّعوا المجرى، فهو ضيّق جداً، ولا يكفي لاندفاع المياه، بهذه الطريقة سنغرق يوماً ما إذا زادت الأمطار عن حدّها الطبيعي.!

أجبته بأن الإخوة الكرام في سلطات البلدية مقتنعين تماماً بأن هذا المجرى يمكنه أن يُصرّف طوفان نوح بحاله إذا استدعى الأمر.. و..

هذا التعيس قاطعني مرة أخرى:

- أنت حاول ودع الباقي ..

قاطعته أنا هذه المرة قائلاً:

- ألم تسمع أيها الوغد بقصة (روبرت كوخ) العالم الألماني الذي نادى بأن الكوليرا تسببها (بكتريا واويّة)، تحداه أحد خصومه وشرب مزرعة كاملة من بكتريا الكوليرا أمام الشهود، مزرعة تكفي لقتل مائة رجل، ولسبب مجهول لم يصب بشيء ولا حتى عسر هضم، ولا تستبعد يا صديقي المنحوس أن يخرج لي من بينهم من يتحداني بأن هذا المجرى يكفي لتصريف نهر المسيسبي إذا حدث ومر من هنا.!

طنطن وهو يرشف آخر رشفة من الشاي، ثم مدّ ساقيه للأمام، واكتشفت أن له ساقين طويلتين لدرجة مفزعة جعلتني أفكر في كيف يسمح إنسان لنفسه بـ أن يطيل ساقيه لهذه الدرجة، ثم وضع قدح الشاي فارغ كـ عقل ضفدع ثم قال وهو يتجشأ كـ فرس النهر:

- والله أمرك عجيب .. إنتم يا معشر الصحفيين .. لا شيء يضيع مستقبل البلاد سوى مثل هذه الفلسفة الحمقاء!!

وأضاف صديقي:

- أريدك أن تجري معي لقاء صحفي .. أنا لدي أفكار ممتازة جدا للمسئولين.!

وأجبته بأن:

- أعمل معك لقاء بصفتك ماذا؟

- مواطن صالح يراعي مصالح البلاد.!

ثم نهض يتهيأ للذهاب قائلاً:

- ولن أتركك حتى تجري معي هذا اللقاء.. اتفقنا؟

- إن شاء الله.!

ذهب لحاله وتركني أفكر في الطريقة التي أهرب بها منه في المرة القادمة، بدأت في لملمة الكراسي وقبل أن أفعل أتى شاب لا أعرف حتى من هو، حدّق فيّ وقال بدهشة:

- أكيد أنت الصحفي أسامة جاب الدين!

قلت له بما معناه:

- نعم.. وأعتقد أن هذا اكتشاف لا بأس به!

ثم جذبني من يدي وجذب أحد الكراسي وجلس وهو يقول لي:

- طيب .. أجلس يا أخي .. أنا لدبّ ليك مواضيع كثيرة ممكن تكتب عنها .. مثلاً عطالة الخريجين والماء الذي يقطع كثيراً، والكهرباء غير المستقرة والمجاري التي ليست مؤهّلة لتصريف مياه الخريف...!!!

صفحة من مذكراتي - 1

(1)

اسمي أسامة جاب الدين كما تعلمون ولا أتوقع أن يثير هذا الاسم إعجابكم، خصوصاً وأن اسم (جاب الدين) هذا قد جلب لي الكثير من المشاكل، حتى أنني فكرتُ جادّاً في إقناع أبي بتغيير اسمه إلى (حمدان) أو (عبد الغفور) أو أي اسم شائع آخر، لأن أكثر من ثلاثة مليار نسمة سألوني سؤالاً من نوع:

- من أين أتى والدك بـ الدين؟

فأضطرّ أن أجيب كل واحد منهم على حده، حتى أنني أفكر في كتابة معنى اسم (جاب الدين) في كروت صغيرة أحملها معي على الدوام، وكل من يسألني عن معنى اسم أبي، أعطيه نصف دستة منها حُبّاً وكرامة، وبما أن المناسبة قد أتت، ولكلّ من يسألني عن معنى اسم (جاب الدين)، ولكل من لم يسألني ولكنه في نفسه يفكّر أن يسألني، ولكل من لم يسألني ولا يفكر حتى أن يسألني، لكن بقربه شخص ينوي أن يسألني؛ أقول لهم جميعاً أن كلمة (جاب) في اللغة العربية الفصحى لا تعني (جلب)، أي أن (جاب الدين) لا تعني (جلب الدين) كما تزعمون، كلمة (جاب) في اللغة العربية لها معانٍ كثيرة، سأضرب لك مثالاً أولاً، وبعدها سيتضح كل شيء:

- جابت السفينة البحار والمحيطات.!

أي (تبحّرت السفينة)، أعتقد أن الأمور اتضحت الآن، وأن (جاب الدين) معناه (تبحّر في الدين)، كلكم عرفتم المعنى، أتمنّى ألاّ يسألني أحد بعد الآن هذا السؤال السخيف، أما لماذا سُميّ أبى بهذا الاسم العجيب؟ فهذا ذنب جدي وليس ذنبي ولا ذنب أبي كما تعرفون.!

(2)

أما عن عاداتي، لا أحبّ الحديث عنها، من أنا حتى أتحدث عن تفاصيلي الصغيرة، إذا كنت نجيب محفوظ أو أنيس منصور لكان الأمر مقبولاً، حيث تشكل الحوادث الصغيرة في حياتهم تاريخاً تسترشد به البشرية من بعدهم، أما بالنسبة لفرد تقليدي مثلي، مّمن تعجّ بهم الأسواق، فلا يحقّ له أن يكتب مذّكراته من الأساس، لأن مثلي لم يقدّم شيئاً تستفيد منه البشرية، لم أخترع مقياس ريختر، لم أكتشف الحديد، لم أتوصل إلى معرفة العلاقة بين (فلسفة الماكروبيوتيك) و(البرمجة اللغوية العصبية)، إنني إذن إنسان عادي من أعظم بطولاته استبدال لمبة المطبخ التالفة بأخرى جديدة.!

وعلى الرغم من ذلك سأتحدث عن نفسي في أقل عدد ممكن من الكلمات، من هواياتي المفضّلة أنني أحب الأوكسجين وأكره (ثاني أكسيد الكربون)، اقضّي نصف يومي في القراءة، ونصفه الآخر في العمل ونصفه الثالث -إن كان به نصف ثالث- في النوم، درستُ بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وكنت مثلي ومثل أي طالب من الولايات بعيداً عن أهله، لا يهمّه اختفاء (كولمبيا) من الخريطة بقدر ما يهمه اختفاء النقود من جيبه، وكنتُ كما هي العادة أملك جمجمة مفعمة بـ الأحلام العراض والأماني المستحيلة، التي تتلخص في أنني في يوم من الأيام – بعد أربعة سنوات غالباً- سـ أتقلد منصباً أو وظيفة كبيرة، مثلاً (المُقرِّر العام لـ كوكب الأرض)، أو حتى (المُفوّض المُكلّف لـ مجرّة درب التبانة)، أو بالعدم أن أصبح (ملك الأرجنتين)، هذا لو تنازلتُ وقبلتُ بالمنصب، وبالطبع كنوع من أحلام اليقظة أتخيّل أن وفداً من سكان الأرجنتين أتوا لكي يقنعون سعادتي لقبول المنصب، وأنا أقول لهم آسف يا سادة أنا لست أرجنتينياً، ولا أعرف تفاصيل مشاكل شعبكم، كما أنني لا أجيد لغتكم، وأشجّع منتخب البرازيل، وأنا أعتذر بشدّة وهم يبكون ويشقون الجيوب ويلطمون الخدود ويقولون:

- يا سنيور .. أنت خير من يتولى هذا المنصب ومن دونك سوف نقفل أبواب الأرجنتين وسنأتي لنستقر في صحراء العتمور بالسودان.!

ثم أصحو من أحلام اليقظة هذه وأحلم بجائزة نوبل في الفيزياء الفلكية على الرغم من أن تخصصي في الإحصاء التطبيقي وأحب الأدب.!

(3)

على الرغم من أنني لم أسكن في قريتي إلاّ ثلاث سنوات، إلاّ أنني تأثرتُ بها طيلة حياتي، أحب جو القرية كثيراً، وأحب بساطة الريف، وسماحة أهله وعدم تعقيدهم للأمور، تشرّبتُ بطبائع وأخلاق القرية، وعندما كنتُ صغيراً، كنتُ أحبّ أن يكلّفني الكبار بالمشاوير القصيرة، وأجلس في (الديوان) أو (الصالون) مع الكبار تحسّباً لأي خدمات طارئة، عندنا من العيب أن يقوم الكبير ليجلب ماءً للشرب بنفسه، ولا زلت أذكر صدى صوت جدي عندما كنت صغيراً وهو يناديني:

- أسامة يا ولد أملا كوب الماء سريعاً!

فأهبُّ قائماً في حماس لأملأ الكوب المزعوم راسماً علي وجهي علامات الخطورة وكأنني ذاهب لجلب (يورانيوم 235 ) من أجل مفاعل نووي، أقف عند الزير/القلّة وأقوم بملأ الكوب بجدّية راسماً على وجهي حكمة القرون ونظرات الفلاسفة، لابد أن هذه النظرة لم تظهر إلا على وجه (ابن سينا) وهو يتفحص مريضاً بالتيفوس، كنت أحب أن أجيد عملي حتى ولو كان ملأ (كوب).!

الفيلسوف شيخنا يصف حالنا مع الدنيا

(1)

طلبتُ من الفيلسوف شيخنا أن يصف لي حالنا مع الدنيا وحال الدنيا معنا في عبارة واحدة لا غير، وهذا ليس امتحان لـ (شيخنا) لا سمح الله، ولكنني بالجد كنت أتوق لمن يشرح لي هذا الأمر بالمختصر المفيد.!

فكّر (شيخنا) في سؤالي بُرهة وتوقّعتُ بعدها أن يبدأ كلامه بعبارة (اعلم يا بُنيّ)، فهو عادة ما يستفتح بها قوله، وبالفعل لم يخيّب آمالي وقال:

- اعلم يا بنيّ أن حال الدنيا معنا وحالنا معها يتلخص في أننا حمقى ومغرورون والدنيا تعبث بنا.!

ثم أردف:

- هذا كل ما في الأمر يا بُني.

بالطبع حاولتُ أن أحلّل هذه الكلمات لأخرج منها بشيء يُفهم، ولكنني والحق يقال لم أصل لنتيجة مقنعة، رجوته أن يفصح أكثر، ويشرح لي أولاً كيف أننا حمقى؟

فقال لي:

- اعلم يا بُني أن الدنيا بالنسبة لنا نصفان، وأننا من فرط حماقتنا ننفق نصفها الأول في سبيل الوصول للنصف الثاني، وعندما نصل للثاني نتأسّف على ضياع الأول، وننفق الثاني في سبيل استعادة الأوّل.. أعتقد أن الأمر اتضح لك يا بُني.!

قلت له باندهاش:

- حاشا والله يا شيخنا لم يتضح، اخبرني أولاً ما هو النصف الأول؟

- النصف الأول هو الصحّة.!

- حسنٌ .. والثاني؟

- الثاني هو المال.!

هززت رأسي منتصراً ثم قلتُ له:

- أعتقد أنني فهمتُ يا شيخنا، أننا ننفق صحتنا من أجل كنز المال عندما نكون شباباً، وننفق ذات المال في سبيل أن تعود لنا صحتنا عند الكبر، ثم نأسف على ضياع صحتنا من أجل المال.!

ردّ شيخنا:

- نعم يا بني .. وهذه هي الحماقة بعينها.؟!

(2)

هززت رأسي علامة الموافقة وأنا أحاول أن أضع في عقلي حداً لمدى حماقتنا كبشر، وعندما لم استطع، قلت له:

- عرفتُ الآن أن حالنا مع الدنيا تحكمه الحماقة، ولكنك أيضاً قلت أننا مغرورون والدنيا تعبث بنا، كيف يكون هذا يا شيخنا؟

نظر إليّ شيخنا باستنكار وكأنه يتعجب من جهلي بمثل هذه الأمور البسيطة، ونظرت إليه نظرة بمعنى أنني ليس فيلسوفاً ولا حكيماً وما يراه هو من البديهيات بالنسبة لي نوعاً من الخيال العلمي، تفهّم موقفي وسألني:

- يا بُني ما هي مظاهر الغرور؟

- اعتقد أن منها الإصرار على فعل عملٍ مشكوك في نجاحه.!

- وما هو العبث؟

- اعتقد أنه السعي في غير جدوى.!

رد شيخنا ببساطة:

- أراك توصلت للحل يا بُني، أننا نصرّ ونجري وراء الدنيا لنصل إلى حدّها، وهذا هو الإصرار على عمل مشكوك في نجاحه كما قلتْ، ونكتشف أنّ لا حد لها، وعلى الرغم من ذلك غرورنا يصوّر لنا أننا من الممكن أن نصل إليه، ثم نجد أن الدنيا كانت تعبث بنا وتريد أن توصلنا إلى حد غير موجود.!

أطرقت في حرج وقلت له:

- الحقيقة يا شيخنا أنني لم أفهم بعد، وتعريفي لمظاهر الغرور والعبث، أعتقد أنه أتى صدفة وخبط عشواء فقط، فـ يا حبذا لو تكرّمت عليّ بتوضيح أكثر.!

ضحك شيخنا ثم قال:

- كنت تريد أن أختصر لك الأمر في عبارة واحدة حسبما أذكر.؟

قلتُ له مبررا:

- يا شيخنا .. أنت بنفسك أحياناً تقول: (إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة)، ولكنني اكتشفت أن رؤيتي أضيق من أن تتسع لفهم الدنيا في عبارة ضيقه كهذه، فهذا أمرٌ لا يستطيعه إلاّ الفلاسفة والحكماء من أمثال (شيخنا).!

(3)

ردّ شيخنا:

- سأضرب لك مثالاً يقرّب إليك كيف أننا مغرورون وأن الدنيا تعبث بنا، تخيّل معي أن أباً يداعب ابنه الصغير ليمتحن قوّته، يقبض الرجل كفّه لابنه الصغير على غير شيء، ويطلب منه أن يفتحها، ويَعِدَهُ بكل ما يجدهُ فيها إذا قوي على فتحها، فيجاهد الطفل في ذلك ما يجاهد، فيقوم ويقعد، ويشتد ويحدّ، ويلتوي ويعتدل، ويرفع إصبعا بعد إصبع، فإذا الذي رفعه قد عاد فأطبق مرة أخرى، ويعييه الجهد، فيركن إلى الحيلة والخديعة، وهو في كل هذا يحسب انه قادراً على أن يغلب أباه عنوة، أو يغلبه خديعة ومكرا، وهذا هو الغرور يا بنيّ، وهذا هو حالنا مع الدنيا.!

استدركته مبتهجا:

- هذه المرة فهمت تماماً يا شيخنا كيف أننا مغرورون ونصرّ على مغالبة الدنيا عنوة، اعتقد أنه تبقى لنا العبث الذي يصوّر حال الدنيا معنا.؟

شيخنا يواصل:

- عندما تلين قبضة الأب يفتحها الطفل فرحاً متخيّلاً أنه انتصر، فإذا به يجدها خاوية، وإذا بذلك العناء الذي أجهده وابهره قد ضاع سدى، وهذا هو العبث يا بُنيّ.!!


النّصَائِحُ الخَمْس مِنْ الفَيْلَسُوف شَيْخنا

سألتُ الفيلسوف شيخنا قائلاً له:

- أريدك أن تنصحني يا شيخُنا نصيحة أستعين بها على أمور الدنيا ونوائب الدهر.!

وبما أنه مشغول على الدوام توقعته أن يقول لي:

- يا بُني لا تجالس السُفهاء.!

ثم بعدها يتركني أذهب وآتيه في وقت آخر، ولكن يبدو أن الرياح تأتي بما تشتهي سفن العبد لله، قال لي شيخنا: سأعطيك خمس نصائح اعمل بها وأعلم أنها ستنفعك يا بُنيّ.

(1)

قال شيخُنا:

- اعلم يا بني أن الشجاعة ليست فقط في إبراز العضلات أو الدخول في الصعاب والأهوال، فبعض الأمور البسيطة تحتاج إلى شجاعة كبيرة، أولّ نصيحة لك هي أن تكون شُجاعاً، لا أطلب منك أن تصارع أسداً أو تُجندل عملاقاً، فقط قل لا أعرف عندما تُسأل عمّا لا تعرفه حقيقة، وإذا لاحظت أن الكثيرين في هذا العالم يعتقدون أنهم يعرفون كلّ شيء، وأن الجزء الضئيل من أسرار العالم التي لا يعرفونها لا تستحقّ معرفتهم، والقلّة من هؤلاء لديهم الشجاعة الكافية ليقولوا: لا أعرف، عندما يسألونهم عمّا لا يعرفونه، وإذا سألت أحدهم عن (القينعور) لأخبرك به بلا تردّد، وقد يُعرّفه لك لغة واصطلاحاً ويدخله لك في جملة مفيدة، في حين أنه لا أنت ولا هو ولا غيرك يكون قد سمع من قبل بهذا (القينعور) المزعوم.!

وأنا شخصياً قابلتُ الكثير من هؤلاء الناس الذي يعتقدون أنهم عباقرة وقد خُلقوا قادة، وإذا طلبت من أحدهم قيادة (غواصة نووية) لوافق على الفور.! مثلاً توقّفتْ سيارتك ولا تعرف السبب، يأتي ميكانيكي، يعبث في أحشائها ساعتين، وعندما لا يعرف السبب، مستحيل أن يقول: أنا لا أعرف، ومن المتوقّع أن يقول لك ربما العيب في (المقنيتا)، أو (الشكبزورات) أو (الحنجهور) أو أي شيء يعتقد أنه فسد من أشياء ميكانيكا السيارات التي لا تفقه فيها شيئاً.!

لذا يا بُنيّ، في كل ما تجهله من أمور الدنيا قلْ: لا أعرف، إنك بهذا تريح ضميرك وتكسب احترام الناس.!

(2)

سحب شيخنا نفساً عميقاً من هواء الغرفة، بينما أنا أهزّ رأسي تعجّباً، وقال لي:

- النصيحة الثانية هي ألاّ تثق في نفسك أكثر من اللازم، يمكنني أن أقرّب لك الأمر، أنت تعلم أن مراحل قيادة السيارة أربع:

المرحلة الأولى أنت أخرق وترتكب الكثير من الأخطاء، تصيب من يسير خلفك بالرعب، ومن يسير أمامك يسأل الله أن ينجيه منك.

المرحلة الثانية لا ترتكب أخطاء، ولكنك لا تستطيع تلافي أخطاء الغير، صحيح يمكنك ألا تصدم غيرك، ولكن هنالك من الحُمقى من لا زالوا في المرحلة الأولى ومن الحكمة أن تتفاداهم.

المرحلة الثالثة أنت تزداد خبرة ونضجاً وتستطيع تلافي أخطاء غيرك كذلك.

المرحلة الرابعة وهي الأخطر، أنت واثقٌ من نفسك كثيراً، وتعتقد أنّك أفضل من يقود سيارة على وجه الأرض، وحتى في الزحام تجدك تسابق الريح بسيارتك، وعندئذ طااااااااخ .. تصدم السيارة التي أمامك صدمة تزيل الهَامَ عن سكناتها، كما ذِيدَ عن ماء الحياضِ الغرائبُ، وتتذكر قول النابغة حينما قال:

ألا ليتني والمرءُ ميتُ * وما يُغني عن الحدثان ليتُ

لذا ضعها قاعدة يا بُنيّ: أن الأخطاء دائماً تحدُث من معدومي الخبرة، وكذلك من الواثقين من أنفسهم أكثر من اللازم.!

(3)

صمت شيخنا قليلاً، احترمتُ صمته فلم أنبس ببنت شفة، وبعدها قال:

- النصيحة الثالثة يا بُنيّ: لا تُجرّب شيئاً خطيراً لم يجرّبه أحداً من قبلك، فمن الحماقة والرعونة أن تشرب السُمّ للتجربة مثلاً، ويمكنني أن أقرّب لك الأمر أكثر، أفترض يا بُنيّ أنّه حاصرك كلبٌ شرس في زقاق ضيّق مقفول من أحد جوانبه، هنالك قاعدة قديمة وردت في كتب العلوم، وهي تمحو القاعدة التي تقول: لا تداعب الكلب الشرس من عنقه بالأعلى فقد يعضّك، ومن الأفضل أن تداعبه من عنقه بالأسفل، وهكذا ستكسب ودّه وتجعله يهزّ ذيله فرحاً، ويفتح لك الطريق!.

صحيح أنهم يقولون أنها قاعدة مُثْبَتة، ولكن لا أعتقد أن أحداً جرّبها في مثل هذه الظروف، وأعتقد أنه من الحماقة تجريبها، ولا تحاول أن تجرّبها وأنت في هذه الحالة، ولا تلومنّ إلاّ نفسك عندما تدخل يدك تحت عنق كلب مفترس، وأعلم يا بُنيّ أن الكلاب لا تقرأ كتب العلوم، ولا أظنّها قد سمعت بهذه القاعدة، وهذا حسب علمي.!

(4)

النصيحة الرابعة نصيحة فرعية تنبثق من السابقة وهي إذا كنت تقوم بإنجاز عمل ما يفيد البلاد والعباد، وأنت تعلم أن نسبة نجاحه ضئيلة، واصل الطريق ولا تسمع كلام المحبطين وتتركه يا بُنيّ، وهذا يشبه حالك مع الكلب الشرس الذي حاصرك في الزقاق الضيّق إذا كنت تذكر، والذي لم يترك لك خياراً إلاّ أن تقفز وتفرّ منه جارياً، وأنت تعلم تماماً أنك لا تستطيع أن تسبق الكلب جرياً، وإذا كنت أسرع من الكلب فإنه جديرٌ بك المشاركة في الأولمبياد القادم، ولكن الجري هنا هو الأمل في الوحيد لك في النجاة فلا تفرّط فيه.!

(5)

النصيحة الخامسة والأخيرة يا بُنيّ: لا تفرض رأيك على الجميع، ولا تبخس رأي غيرك، أي لا تكن كمثل الشاعر الذي قال:

وَنُنكِرُ إِن شِئنا عَلى الناسِ قَولَهُم * وَلا يُنكِرونَ القَولَ حينَ نَقولُ

إذا كنت تؤمن بشيء ما يخصّك قدّمه للناس كـ محاولة وليس كـ فرض عين، الأمر يشبه شخصاً قبيح الصوت ويغني دائماً في الحَمّام، لا أحد يسأله إلى أن يقرر الصعود إلى المسرح، ويمسك بـ المايكروفون فيغني، بل ويقرّر أنَ من بعده لا يعرفون الغناء، فهذه حماقةٌ، وهذا فعلٌ لا يقوم به إلاّ الرِّعَاع، ومن يفعل هذا يُعتبر شخصٌ (……….)، معذرة يا بُنيّ لا أعرف مفرد كلمة (رِعَاع) ولكنه منهم على كل حال.!

فلسفة حياة

(1)

رأيتُ وسمعتُ ومررتُ بكثير مِن الناس مَن يُصرّح بأن فلسفته في الحياة هي كذا وكذا وكذا، إذا كان القائل مُطرباً، يقول أن فلسفته في الحياة هي إرضاء الجماهير، وإذا كان (رجل أعمال)، ستكون فلسفته في الحياة هي أن يغتنم الفرصة التي تقع أمامه لأنها من المحتمل ألاّ تعود، وإذا كان القائل تاجر بطيخ، ستجد أن فلسفته في الحياة هي أن كل شيء في هذه الحياة عبارة عن بطيخة مقفولة، أولهم الزوجة الجديدة بالنسبة للرجل، والزوج الجديد بالنسبة لزوجته، (لست أدري لماذا يعتبرون الزوجة بطيخة مقفولة، في حين أن هذا المثل لا ينطبق على الرجل، فهو على ما يبدو بطيخة مفتوحة بالفطرة)، المهم أن لكل امرئ -وإن لم يكن يدري أو لم يكن يسميها كذلك- ستجد أن له فلسفته الخاصة به في الحياة الدنيا القصيرة الفانية.!

(2)

ما دام أن لكل ابن آدم فلسفة معيّنة في الحياة، وما دمتُ أنا ابن آدم مُحترم، إذن لا بد أن تكون لدي فلسفتي الخاصة في الحياة، ولم لا؟ لستُ استثناءاً، لذلك بحثتُ في حياتي القصيرة –نوعاً ما- لاستخلص منها فلسفة تليق بمقامكم العالي الرفيع، بالطبع لا أفكّر في فلسفة تُسطّرها الأجيال في كتب التاريخ والموسوعات، ولا أن تُدرّس لتلاميذ المدارس في الألفية الرابعة، مِثل أن تدخل المُعلّمة وتقول: اليوم حصتنا عن فلسفة أسامة بن جاب الدين في الحياة، أطمئنوا لن يصل الأمر لهذا الحدّ، إذا كنتُ أرسطو أو أفلاطون، لكان الأمر سهلاً، ولكنني ليس كذلك.!

(3)

إذا ألقيت نظرة سريعة على البشر في الكون ستجد أنهم ينقسمون إلى قسمين: مُتفائلٌ ومُتشائم، المتفائل هو الذي يرى الأمور بنظرة وردية حالمة، يخرج من البيت فيتوقّع أن تقف أمامه الحافلة خالية من المقاعد، وإذا كان راكباً سيارته الخاصة يتوقّع أن يكون الشارع غير مزدحم، وأن تضيء الإشارة الخضراء في كلّ مرّة يمرّ بها، وتحمرّ خلفه مباشرة، وأن يجد المسئول لم يذهب لوجبة لفطور بعد، ويُوقّع له أوراقه في دقيقة واحدة ويبتسم له في وُد، ويتوقع ألا تقطع الكهرباء لمدة شهر، وأن تكون المياه متدفقة من المواسير كما الشلالات…إلخ، هذا هو المتفائل، وهو كما ترى من أكثر الناس تعرّضاً لخيبة الأمل، منذ سنين طويلة قال نيوتن: (لكل فعلٍ ردّ فعل مساوياً لهو في المقدار ومضاداً له في الاتجاه)، ونيوتن لم يكن أحمقاً بالتأكيد، لأن المتفائل تنطبق عليه هذه القاعدة بالنَص، يعود المُتفائل من العمل في يومٍ حرارته كالجحيم، فيتوقّع أن يجد المراوح تدور بسرعتها القصوى، وأن يهبّ عليه المُكيّف نسائمه العليلة، ولكنه يتفاجأ بأن الكهرباء قاطعة، وبأنه لا يملك مُكيّف من أساسه، فيكون ردّ فعله أن يصاب بالإحباط وخيبة الأمل.!

(4)

بعكسه تماماً المُتشائم، يعود من العمل جيبه خالياً ومُفلّساً كـ (الأميبا)، وهو في الطريق يتوقّع أولاً أن يكون كل ما يعرفه في هذه الحياة قاطعاً، الكهرباء والمياه والغاز والنسيم العليل، ويتوقّع أن يجد في المنزل عشرة ضيوف أتوا من البلد وسيمكثون معه شهرين متتابعين، ويتوقع كذلك أن يجد ابنه الأصغر قد قذف التلفزيون بحجر فكسر شاشته على تسع قطع غير متساوية، يدخُل المنزل، يجد أن الكهرباء تعمل، وأن المياه تنزل من الحنفية شفافة تترقرق كما الحلم، والغاز لم يقطع كذلك، ابنه الأصغر لم يكسر التلفزيون، لم يسقط نيزك في البيت فيبيده عن آخره، فـ يجرّ أنفاسه بسعادة ويحمد الله، ويقول في سرّه:

- كم هي جميلة هذه الحياة التي تأتي وتجد أن كل شيء في مكانه، ما أجمل الدنيا عندما تدخل البيت وتجده مُستقرّاً في مكانه كما تركته في الصباح، لم يسقط فيه نيزك، لم يهدّه زلزال، لم ينسفه صاروخ أمريكي بالخطأ بحجة أنك تصنع قنابل بوزوترينية في المطبخ.

وينام هادئ البال مرتاح الضمير.!

(5)

أحب أن أُذكّرك بأنني لستُ مُتشائماً يرى الحياة بمنظار أسود كئيب، ولكنني دائماً أتوقع الأسوأ، وهذا أعتبره نوع خاص من التفاؤل، إذا حدث فعلاً ووقع هذا الأسوأ، لا أتفاجأ كثيراً، وإذا لم يحدث، فـ كم أن هذه الحياة جميلة ورائعة، وهي كما ترى الفلسفة التي خرجتُ بها من الحياة، فتوقُّع الأسوأ يجعلك تحتاط له، إذا وقع لن يؤثّر عليك كثيراً فأنت قد كنت مستعدّا له على الأقل، وإن لم يقع، فـ الحمد لله الذي كفى المؤمنين شرّ القتال، والعكس هو الصحيح، عدم توقّع الأسوأ يجعلك غير محتاط له، فـ إذا وقع ستُفاجأ بأنك كم كنتَ أحمقاً وقصير النظر.!

والسبب في كلّ ما خرجتُ به أنه لم يحدث أن انقضى لي أمرٌ بسهولة بتاتاً، حتى أنني صرتُ أشكّ في أي مصلحة تنقضي لي بسلاسة ويسر، فـ هذه لابد أنها تحوي في طيّاتها مصيبة ما قادمة، كانت تواجهني المتاعب في كل خطوة أخطوها، على الرغم من أنني لم أكن أبحث عن المتاعب، بل هي التي تسعى نحوي، يقول الشاعر الألماني (فلهلم بوشه) في بيت شعر جميل:

- لا أحد يشتري الفئران .. الفئران تهرع من تلقاء نفسها إلى دارك.!

كلّ هذا جعلني أرفع شعار: (توقّع الأسوأ)، فـ هذه هي واحدة من فلسفاتي في الحياة، قد تراها عبارة عن حماقة من النوع الحميد، ولكنها تجعلني أعيش في سعادة وحبور، ولدّي والحمد لله كومٌ لا بأس به من الفلسفات الحمقاء سأوافيك بها يوم ما، أما الآن سأدعك لكي تبحث براحتك عن فلسفتك الخاصة في الحياة.!