الأحد، 25 أكتوبر، 2009

من عجائب الحكاوي في عصر البلاوي

إن من عجائب الأمور في شبكة الإنترنت، أن هنالك موقع إلكتروني للتسلية، تدخل فيه تاريخ ميلادك باليوم والشهر والسنة والنوع (ذكر/أثنى)، ويوجد مربع للأسفل قليلاً تختار منه الحالة المزاجية (متفائل/متشائم/سادي) والسادي هو الذي يستمتع بتعذيب الآخرين، ولست أدري ما الذي أدخله هنا – اصبر معي قليلاً سأخبرك ما سيفعل الموقع بهذه المعلومات- وآخر مربع تختار منه (مدخن/غير مدخن)، وبعدها أضغط على مربع موافق ليخبرك الموقع بميعاد (وفاتك).!!

أي والله العظيم.. إنه موقع أجنبي متخصص في معرفة مواعيد الموت حسبما يزعم أهله المغفلين –استغفر الله العظيم- وقد وجدتُ قبلي الكثيرين ممن دخلوه وخرجوا ما بين مذهول ومستغرب ومحبط وقانع من خير الدنيا الزائلة.!

عموماً بما أنني ما لا أخسر شيئاً، إذ اتخذتُ قراراً شجاعاً لأأخوض التجربة، أنني مؤمن تماماً بأن كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وأن هذه الدنياً آخِرها كوم تراب، لذا سأملأ البيانات وسأرى تكهنات هذا الموقع المخرف ماذا ستقول، وعلى الأقل سيكون هذا حافز ليتذكر المرء ميعاد الرحيل، حتى يكثر من صالح الأعمال، لتنفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، أعرف تماماً أن لكل أجل كتاب لا يعرفه سوى الخالق عزّ وجل، لذلك لا ضير من التجربة.!

توكلتُ على الحي القيوم وملأتُ مربعات العمر باليوم والشهر والسنة حسب ترتيبها في الموقع، وحددتُ النوع، أما مربع الحالة المزاجية فـ اخترت منه (متفائل) -أخشى أن أختار متشائم فيكتب لي أنني من المفترض أن أتوفى قبل خمسة سنوات، تبقى لي مربع الوزن، وبما أنني آخر مرة وزنتُ فيها جسم العبد لله كانت قبل سبعة سنوات في ميزان يحمله طفل صغير تحت مظلة في السوق العربي؛ لذا كتبتُ ذات الوزن الذي أعتقد أنه لم يزد كثيراً، أما مربع (مدخن/غير مدخن) اخترتُ غير مدخن وهذه حقيقة، وبعدها ضربتُ أكباد (الماوس) وتوجهت بـ مؤشره نحو مربع مكتوب عليه بما معناه: (أضغط هنا لتعرف متى ستموت)، وهنا ترددتُ .. أضغط .. أم لا أضغط .. الله يستر .. أضغط فيقول لي أنني سأموت غداً عندما تميل الشمس نحو الغروب، وسينتهي العزاء بانتهاء مراسم المقال، ونتقبل تعازيكم على موتي المزعوم بمقر شركة قوقل التي استضافت هذه المدونة مجاناً جزاها الله عنّا كل خير، المهم .. بعد دقيقة واحدة اتخذت قرار مصيري، أولاً سألتُ الله أن يُطوّل في عمر أمة الإسلام، توكلت على الحي القيوم مرة أخرى، وضغطت المربع.. بعدها .. هذا الموقع الدجال الأشر كتب لي أنني سـ أنتقل إلى جوار ربي في عام (2012) ميلادية بالضبط، ويقع يوم أحد، أي أنني تبقتْ لي في هذه البسيطة ثلاث سنوات فقط .. أنا الذي إذا ضُربتْ سنوات عمري في نفسها ثلاث مرات؛ لما وصلت إلى عمر كهل، عموماً الدوام لله .. وفي صفحة منفصلة لم يُقصّر موقع الإنترنت، أظهر لي عداد تنازلي يعمل بالثواني، حسب لي ما تبقت لي من سنين بالثواني، أنظر لهذا المفتري، فأتى الناتج كذا مليار ثانية، اطمأننت نوع ما، ولكن بعدها بدأت الثواني تتناقص بشكل سريع، وكأنها تخبرني بأن الحياة دقائق وثواني، في هذه اللحظة ..جردتُّ كل سنوات عمري الـ كذا وعشرون سنة، لأرى ماذا قدّمتُ لها بين يدي الله، فـ وجدتُ أن الحال لا يسُر، وقلت الله لا يوفق هؤلاء الزناديق الذين صمّموا هذا الموقع، تذكرتُ حينها أبيات الإمام الشافعي التي قال فيها:

تمنى رجالٌ أن أموت وإن أمُت * فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ

وما موت من قد مات قبلي بضائري* وما عيش من قد عاش بعدي بمخلدِ

وسألتُ الله أن يرحمني إذا دنا الرحيل، وأزف التحويل، وعرق الجبين، وأن يتولاني إذا واراني التراب، وودعتُ الأحباب، وفارقتُ النعيم، وانقطع النسيم.!

عزيزي القارئ أرجو ألاّ تتناول صندوق المناديل- والله ناس الموقع هؤلاء دجّالين ليس إلا، لأنني في هذه اللحظة دخل صاحبي ووجدني واضعاً يدي على رأسي وأنا أحسب ما تبقت لي من الأيام، قصصتُ عليه الأمر، وقلتُ له أن يجرّب، وبما أنه مُحبط بالفطرة، ويشتكي من العطالة والفلس، ولا يخشى سوء المنقلب، بدأ يكتب وهو يقول لي بيأس:

- أتمنى أن يكتب أنني سأموت غداً!

سألته أن يحسن الظن بالله، ولا يقنط من رحمة المولى، وبالفعل ملأ البيانات كلها، كتب في مربع السنوات أنه من مواليد ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، وأنه غير مُدخن، وغير متفاءل بتاتاً، وضغط مربع موافق، وكانت المفاجأة أن الموقع كتب له أنه من المفترض أن يتوفى منذ العام ألفين وثمانية، أي والله، نظرتُ في وجهه لأرى وقع الأثر عليه، فوجدته قد صمت قليلاً، ثم أطلق ضحكة مجلجلة، طالت ضحكته حتى خفتُ عليه أن يصيبه مسّ من الجنون.!

بعدها .. أغلقت جهاز الحاسوب، وأنا متأكدٌ تماماً أن هذا الموقع يعمل خبط عشواء، وأن أهله صمموه للتسلية لا غير، وتوصلتُ لأنه إذا كانت هنالك فائدة من هذا الموقع الإلكتروني؛ فهو قد يذكرك بأن الحياة قصيرة، وأن تعمل فيها لآخرتك كأنك تموت اليوم، لأنه لا تدري نفس ماذا تكسبُ غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت.!


0 التعليقات:

إرسال تعليق