الاثنين، 23 يوليو، 2012

منصوب علي أنه خبر

(1)

(كثيرٌ مِنْ الناسِ لا يُحبّ الإعرابْ هذه الأيام).. ) هذه الكلمات هي مَثَلْ غير مأثور ألفته للتو)... لابد أن هنالك مثلاً عربياً يحل محل هذه العبارة... ولكن فلنسيّر بها أمورنا ريثما نجده... ويمكنك اعتبارها محاولة لإضافة جملة جديدة للتراث العربي... مِثل (وافق شنٌّ طبقة)... (وعلى نفسها جنت براقش).!

 لستُ أدري لماذا يحق للبعض تأليف الأمثال.. ولا يحق للآخرين.. لدي مجموعة رائعة من الأمثال التي تدل علي عبقرية فذة في (النجِر)..  سأتحفكم بها يوما ما.. وهي مثل: (عندما يعطش الانسان فإنه يشرب الماء).. و(كلما ينزل المطر تمتلئ الأرض بالطين).!

(2)

 قبل كل شيء أؤكد لحضراتكم  بداية أن العبد لله ليس من جهابذة اللغة العربية.. لدي عدواة قديمة مع ذلك الشيء المُسمى بـ (الإعراب).. أقصى ما وصلتُ إليه هو إعراب جملة من فعل وفاعل ومفعول به.. مثل (ضرب الولد الجرس).. و(أكل التيس العلف) وما شابه.. وتجدني أنسحبُ انسحابا تكتيكياً مُمرحلا من الكلمات التي إعرابها من نوع (اسم مجرور لفظاً.. منصوب محلاً على أنه خبر منصوب.. وعلامة نصبه الفتحة المقدرة.. منع من ظهورها حرف الجر الزائد).. شوف المِحَن.!!

(3)

وأكثر ما يغيظني في الإعراب أن تجد حرفا أو كلمة في جملة ما موصوفة بأنها (لا محل لها من الإعراب).!!.. مثلاً في بيت الشعر (وأنت الآن لم تُعرف بِعابٍ// ولا دنست ثوبك مذ نشأتا).. الباء في (بـعاب) قالوا زائدة.. هل يعقل هذا؟!.. تجدهم يتحاشون مجرد حرف باء في بداية كلمة فيعربونها بأنها (باء زائدة لا محل لها من الإعراب).!!  ذلك كان يذكّرني بالجامعة.. كنا نحل معادلات رياضية معقدة جداً.. الواحدة منها يستهلك حلّها أكثر من نصف ساعة في خمسة صفحات كاملة.. ثم تجد في النهاية أن الناتج صفرا!!.. والفاجعة أنهم مرات يأمرونك بأن تثبت أنها تساوي الصفر.. كنا نعتبر ذلك تضييعاً للزمن.. ولكن كانوا يحاولوا أن يقنعونا بأنه علم مفيد.. فلم نقتنع لهم حتى هذه اللحظة.!

كيف يغلب أهل اللغة اعراب حرف الباء المسكين هذا ويعتبرونه زائداً ولا محل له من الإعراب.. إنها مؤامرة على (الباء) إذاً..على الرغم من أنهم يعربون أشياء أصعب منه بكثير.. ولديهم تبريراً جاهزا لكل شيء (يعني زي المسئولين).. أنظر كيف برروا اختفاء الضمة في كلمة (أخي) في الجملة: (أخي محمود وصديقه لاعبان ماهران).. كلمة (أخي) اعرابها (مبتدأ مرفوع) لكن الضمة علامة الرفع غير موجودة -لم أقتنع بعد بأن كلمة (أخي) التي نهايتها ياء مكسورة يمكن ان تكون عليها ضمة- فبرروا إختفاء الضمة.. فقالوا إنها (ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة).. عجبا!!

(4)

حرف الباء ظاهرا لكل الناس يعتبرونه زائداً ولا محل له في الإعراب.. ويصرّون على وجود ضمة لا نراها بالعين.. ماذا يشبه لكم هذا؟!!!

المزرعة السعيدة

لا يمر يوم أو أكثر.. حتى يأتيني على الفيسبوك طلباً من أحد الأصدقاء لألعب معه في (المزرعة السعيدة).. هذه اللعبة التي صارت هوساً وإدماناً للملايين من الناس.. الذين فيما يبدو لديهم احتياطي ضخم من الزمن الفائض.. الطلبات تكون على هذا النسق:
- (الطائر الجريح) يقوم ببناء مزرعة رائعة ويريد أن يشاركك إنجازاته.!
- (ذات العينين الناعستين) ربحت 200 من الذهب في المزرعة.!

كنت أتجاهل هذه الطلبات.. ولكنها تكاثرت عليّ في الأيام الأخيرة.. كثير من الناس يرغب في أن ألعب معه.. لست أدري كيف أقنعهم بأنه لا وقت لدي للعب.. انتابني الفضول لأعرف ما هي هذه المزرعة السعيدة التي صدّعوا بها رؤوسنا.. فوجدتها لعبة على الفيسبوك.. وهي تدعم اللغة العربية فقط.. ويلعبها حتى هذه اللحظة أكثر من ستة ملايين ممن يتكلم العربية.. الواحد منهم يجلس أمام هذه المزرعة أكثر من خمسة عشر ساعة في اليوم  -لابد أن جهة ما مستفيدة من إلهاء كل هؤلاء العرب عن شيء مهم يدور في الخفاء- دخلت صفحتها الرئيسية فوجدت مقدمة عنها تقول:

- (هذه لعبة المُزارع الحقيقية، المُزارع المُجدّ الذي يصنع السترات من صوف الحيوانات.. والذي ينتج الكتشب من الطماطم! تعال وإنضم إلينا.!!)

ههه.. هكذا الأمر إذاً.. ومكتوب عليها أيضا:
- (ازرع، احصد، اطعم أبقارك ثم قم بحلبها، ثم قم ببيع الحليب إذا أردت أو قم بصنع الجبن ثم قم ببيعه لتجني أموالا أكثر).!

بالطبع الزراعة والحصاد وحلب البقر هذا كله على شاشة الحاسوب.. وبعد كل ذلك يقولون: (المزارع المُجدّ)، والعجيب أن كثير من أصدقائي كان يرغب في إقناعي في أن أشاركه في حصد الطماطم وحلب البقر في المزرعة السعيدة.. فـ أتجاهل هذه الطلبات.. إنهم لا يعرفون أن لدي بالخارج أمور أهم بكثير من أن أحلب بقرة داخل الفيسبوك.!

ومن عجائب هذه المزرعة وجدت مكتوباً في صفحتها:
  - (مرحى أيها الرفاق أصبح لدينا شجرة القرفة في المزرعة السعيدة! التي سوف تملأ المزرعة بالرائحة الجميلة المنعشة إلا يبدو هذا رائعاً؟).

بالطبع لا يبدو لي هذا رائعاً.. ولست أدري كيف يشم اللاعب في المزرعة رائحة القرفة.. فإذا كانت تخرج له الرائحة عبر السماعات.. فهذا شيء لست أعرفه.!

الأحد، 6 ديسمبر، 2009

في الامتحان .. ما كُلّ مسألةٍ تُحلْ..!!

لا أظن أن هنالك شيء في هذه الحياة أكثر إغاظة من نظام الامتحانات، واعتقد أنها الشيء الوحيد الذي لا يحبه أحد، وإذا وجدت ابن آدم ما يجب الامتحانات؛ فهذا مُصاب بخلل في المخيخ، وأعتقد أفضل طريقة لمنع التلاميذ من الغش في الامتحان؛ هي إلغاء نظام الامتحانات من أساسه، أو إن كان لابد منها؛ فـ لتكن أسئلة الامتحان على طراز:

- اكتب سؤالين وأجب عنهما بإيجاز.!

فـ التلميذ يتعلم أساسيات الغش من أجل الامتحانات، وبعدها يجد الطريق سالكة أمامه، ثم يحلو له الغش، فـ يغش في الامتحان، وفي غير الامتحان، وأسئلة الامتحان أحياناً تكون تعجيزية، وفي الجامعات بالذات أحياناً يأتي الدكتور أو البروف بسؤال أو مسألة يعرف تماماً أنه لا حل لها بتاتاً، وذات مرة وضعها لنا أحد الدكاترة واضحة حينما وزّع لنا أوراق الامتحان وقال أن المسألة الأخيرة هذه لا يحلها في البسيطة كلها إلا سيادته، وأن علينا أجر المحاولة، وعليه أجر خصم درجاتها من النتيجة.!

قد يسأل أحد ما: إذا تم إلغاء نظام الامتحانات، ما البديل لتمييز التلاميذ وإعطاء الدرجات؟ كيف يتم تصنيف هذا تلميذ موهوب ومجتهد، وذاك حظه من العلم كـ دقيق فوق شوك نثروه؟

توجد بعض الدول المتقدمة، وبعض الولايات في أمريكا لا تُطبق في مدارسها وجامعاتها نظام الامتحانات بتاتاً، وتعتبر أن الامتحان لا يجني التلاميذ من وراءه أي فادة، وهذه المدارس لا تضع الامتحان المؤشر الحقيقي لقدرات الطالب، بل وتعتبره يقيّد ويخنق الكثير من المواهب والملكات المدفونة في أعماقه، ولا يشجعه على أن يأتي بجديد، ويعوّده على نمط الإجابة الواحدة، التي إذا حاد عنها فمصيره الفشل الذريع، وأتت بنظام جديد، وألغت النظام الذي يعتمد على منهج تعليمي يقوم على الحفظ والتذكر والتلقين، ولا يشجع على الإبداع، نظام الإجابة القطعية مثل (أجب بلا أو نعم)، (ضع دائرة حول رقم الإجابة الصحيحة)، بل وغيّرت النمط التعليمي بـ أكمله وقالت أن أسلوب الحفظ والتفريغ يخلق نسخاً متشابهة، وأنماطاً متطابقة تفتقر إلى التميز والتفرد.!

صدقاً لحديثهم هذا أن من يُراجع إجابات أوائل الفصول في الأساس والثانوي، بل وحتى في الجامعة، والدراسات العليا؛ يجدها نسخة كربونية منسوخة عن سابقيهم من الأوائل بتبادل المذكرات، أو من بعضهم بتبادل (البخرات)، وكثير منهم يخرجون إلى المجتمع بفهم واحد، ورؤية واحدة، لأن المسيرة التعليمية كانت من البداية هي استسلام لمقرر دراسي واحد، ثم تعاطيه كما هو، واسترجاعه يوم الامتحان، والامتحان نفسه تكون البراعة فيه هي استرجاع المادة المحفوظة كما هي، بغير إضافة أو تعديل أو نقد أو تخيل، لأن العملية التعليمية كانت من البداية هي حشو أدمغة التلاميذ بالمقررات، مع تضييف مساحة التفرد عندهم.!

صحيح أن مقرراتنا لا تسمح بـ التفرد، فمن المُحبذ أن يقوم بهذه العملية المعلم أو المعلمة في الفصل، أن يشجعوا ويفسحوا الفرصة للتلميذ أن يأتي بشيء من عنده ولو خارج إطار المقرر، والتلميذ ليس صغيراً على أن يأت بجديد رأي أو فكرة، فإذا سألت التلاميذ عن آرائهم في المقررات الدراسية التي يدرسونها؛ ستسمع منهم الكثير، وسيدهشك ما سيبدونه لك من نقد ورأي . !

بعد كل هذه الإطالة ما هو هذا النظام الذي يستحق أن يكون بديلاً عن نظام الامتحانات؟ بعض الخبراء أعطوا إجابات كثيرة، وأسلمها أن ندخل بعض التغيير في العملية التعليمية، نبدأ بـ غرس روح الفريق في التلاميذ، بعض الدول في مدارسها يقوم المعلم بتقسيم الفصل إلى مجموعات صغيرة، يعهد لكل مجموعة منها بدراسة موضوع أو مسألة معينة تكون موضوع الحصة أو المحاضرة ذاتها، ثم يعودون بعد انتهاء الواجب لتقديم أحدهم نيابة عن المجموعة لتقديم خلاصة الجهد المشترك، وهو ما يعرف بـ (السمنار)، فـ بدلاً من أن يكون هنالك تلميذ يتلقى وأستاذ يشرح؛ أصبح تلميذ يُلقى محاضرة، والبقية يتفاعلون معه، وهنا يبرز الفارق الكبير بين دور المتلقي الذي ينتهي بامتحان يتحمل فيه كل تلميذ نتيجة عمله، وبين العمل الجماعي الذي يتأصل في التلميذ منذ الصغر، ويعتاد عليه وعلى نتائجه، ففشل الفرد هنا يعتبر فشل مجموعة، ونجاح المجموعة يتوزع على الكل، لذا تجد أن التلميذ في كوريا واليابان والصين وبعض الدول التي تقدمت في السنوات الأخيرة؛ تجده ينمو فيه الشعور بتحمل مسئولية الفريق منذ تلمس خطواته الأولى في الدراسة، بل وفي مرحلة مثل (رياض الأطفال( ، وعندما يرتقي إلى المدرسة يتم تدريبه على إنتاج المعرفة بدلاً من أن يكون مستهلكاً لها فقط!

أتمنى أن يلحق أولو الأمر طلائع هذا الجيل وحثّهم على أن يأتوا بجديد، فـ الفارق الحقيقي بين الدول المتقدمة والمتخلفة يكاد يتفرع من هذه النقطة.!

أحد أساتذة اللغة العربية يدعى (بشير) صحح أوراق امتحان البلاغة، ووجد ورقة طالب خالية إلا من هذه الأبيات:

بشير قل لي ما العمل .. واليأس قد غلب الأمل ْ
قيل امتحان بلاغـة.. فحسـبته حان الأجلْ
وفزعتُ من صوت المراقب إن تنحنح أو سعلْ
يجول بين صفوفنا ويصول صولات البطلْ
أبشـيرُ مهلاً يا أخي ما كُل مسـألة تُحلْ
فمن البلاغة نافـع .. ومن البلاغة ما قتــلْ
قــد كنت أبلد طالب .. وأنا وربي لم أزلْ
فإذا أتــتك إجابـتي فيها السـؤال ولم يُحلْ
دعها وصحح غيرها والصفر ضعه على عجلْ!

ونسبة لأنه حطم الرقم القياسي في الجِرسة، منحه الأستاذ بشير الدرجة الكاملة في البلاغة.!!

عندما كنتُ مريضاً بإمتياز

عندما يتخرج طالب الطب من الجامعة بعد ستة سنوات يقضيها مكابدة ومعاناة بين أرتال المراجع وحفظ المقررات الكبيرة الحجم، تنتظره بعدها سنة أخرى تسمى بـ (الامتياز)، وهي الفترة التي يمكن تعريفها باجتهادي الخاص بأنها:

- السنة الفاصلة بين مذاكرة الطب في الأوراق وتطبيقه في البشر!.

فهنا يحتاج أن يطبق ما درسه، ويتعلم أكثر، ويكتسب المزيد من الخبرة والمران، وكل هذا يطبقه على المرضى بإشراف دكتور أكثر منه خبرة، وبعد أن يتم إمتيازه يكون –أحياناً- قد خلّف وراءه عدداً لا بأس به من الضحايا.!


موقف المواطن العادي من أطباء الامتياز موقفٌ ينحصر في أن هؤلاء الأولاد يريدون أن يستخدمونهم فئران تجارب ليس إلاّ، وأننا إذا كان الأمر بيد أي واحد منهم لن يترك طبيب امتياز يضع يده عليه، حتى وإن وقف على يمينه (أبو قراط) أبو الطب، وعلى شماله (ابن سينا) الشيخ الرئيس، وتحْدث الكثير من الطرائف عندما يري رجل كبير في السن طبيبة أو طبيب امتياز آتياً نحوه، وبعد أن يفحصه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه يبتدره بالقول:

- يا ولدي ألا يوجد من هو أكبر منك في هذه البلاد؟!


لي تجربة مع أطباء الامتياز، وأذكر عندما كنت صغيراً قرر لي الطبيب جراحة في العين اليسرى لاستئصال حبة صغيرة نبتت أسفل الجفن، وفي ذلك اليوم أتيت لإجرائها، وبينما كنت في الانتظار، رأيت أحد المرضى أتت نحوه إحدى طبيبات الإمتياز لتحقنه المخدر (في عينه طبعاً)، أدخلت الحقنة ذات الإبرة الطويلة –طولها تقريباً متر – أدخلتها في عينه بمحاذاة كرة العين الزجاجية التي لو ثقبتها ليس أمامه إلا أن يسأل الله أن يعوضه الجنة، وأفرغت فيها المخدر، انتفخت العين وصارت مثل حبة الطماطم، ولم تقف الفتاة عند هذا الحد ، فقد أحضرت كرة بلاستيكية صغيرة وعصرت بها العين بحركات تشبه التي يفعلها الفوال عندما يعجن حبات الفول بزجاجة مشروب غازي فارغة، وكل هذا لتوزيع المخدر، قلت في سرّي:

- هذا الرجل .. على عينيه السلام ..!!


بحسابات منطقية فإن الدور سيأتي علىّ لإدخال هذه الحقنة الكبيرة داخل عيني، وهنا فكرتُ جاداً في الانسحاب التكتيكي المُمرحل، لن أجازف بعيني، فإذا رجفت هذه الفتاة التي تخرجت قبل أيام وأخطأت إدخال الإبرة في عيني، حينها وبكل بساطة سأصبح أعوراً .. بامتياز!.

بينما أنا في اجترار خواطري رأيت من بعيد أربعة بنات من طبيبات الإمتياز يحملن أوراقاً وأقلاماً ويتجهن نحوي.!

- قلت: اللهم أجعله خير.!

وبعد أن وصلن بالسلامة، حيتني إحداهن:

- مرحباَ يا شاطر.!

رددت التحية بأحسن منها. وسألتني إحداهن:

- بماذا تشعر؟

فكرت أن أرد عليها بأنني أشعر بسعادة غامرة، وأخشى أن يتوقف قلبي من فرط السرور، ولكن الوقت لم يكن مناسباً للمزاح، فأشرت إلي الحبة النابتة في جفني .. وبعدها حملقن الطالبات في الحبة التي كادت أن تصبح قُبة، ثم اتخذن لهن ركناً وتكلمن حول حبتي الميمونة كلاما بالانجليزية، الحقيقة كان كلاماً كثيراً، وعلى الرغم من أنني كنت صغيراً آنذاك، إلاّ أنني غضبتُ من كوني أصبحت درساً عملياً يطبق فيه طلاب الطب محاضراتهم، ومما أغضبني أكثر أنني كنت كـ الأطرش في الزفة، لا أفهم أي شيء، ولكنني حللت الأمر، إذا كان كل هذا الكلام حول هذه الحبة الصغيرة الحمراء، فما بالك إن كانت عملية (زراعة قرنية)، أو (استبدال شبكية) –إن كانت تُستبدل- فهذه لابد أن يأتوا بمكبرات صوت لمناقشتها على الهواء مباشرة!.


التفتتْ إلي إحداهن وسألتني بما معناه:

- متى نبتت لك هذه الحبة يا ولد؟!

وبعد أن أجبتها ..دارت عجلة النقاش مرة أخرى، وهذه المرة معها تسجيل ملاحظات على الدفاتر، وهنا لعب الفأر في عبّ العبد لله، لابد أنهم بدلاً عن استئصال الحبة الصغيرة قرروا اقتلاع العين بالمرة، لأن النقاش كان فيه مغالطات مع بعضهن، وتخيلته كان على طراز:

- نقتلعها.!!

- لا .. لا من الأفضل تركها.!!

وبعدها ذهبن، وسمعت إحداهن تقول لزميلاتها:

- من الأفضل أن نذهب للبروف!

بعد لحظات سمعت اسمي بأن أدخل غرفة العمليات، وألبسوني الزي الأخضر من رأسي وحتى أخمصي، ولست أدري لماذا كل هذا العنت من أجل حبة صغيرة لو تركوها لي لاستأصلتها لوحدي بأقرب موس حلاقة.!


تمددتُ على السرير، وقرأتُ كل ما أحفظ من قرآن وأحاديث وأقوال مأثورة وأناشيد دينية، وتحلقن حولي طبيبات الامتياز والدكتور الكبير (البروف)، ومررت بتجربة التخدير بسلام، وبما أنه تخدير موضعي، لذا كنت أسمع كل ما يدور، وقد تم غلق عيني السليمة، ولحكمة لا أعلمها كنت أرى المشارط بذات عيني التي من المفترض أنها مخدرة، كانت العملية بسيطة، قلب الطبيب جفني واستأصل الحبة الصغيرة وسلمها لإحدى الممرضات التي وضعتها في فتيل صغير به محلول ما لعله الجازولين، وسمعت أن العملية انتهت ومن المفترض أن أغادر، ولكن إحدى طبيبات الإمتياز قالت للبروف كلمات بمعني أنه تبقى جزء صغير من الحبة في الجفن لم يُقطع بعد!!..

البروف جزاه الله كل خير أعطاها المشرط لتقطع هي بنفسها، وهنا دارت في رأسي الهواجس، وقلت في سري:

- لابد أن هؤلاء القوم يفتكرون هذه العين بطيخة أو ما شابه ذلك؟!


أنزلت الفتاة المشرط على عيني التي قنعت من خيراً فيها، واقتطعت ما فيه النصيب، ولكن الحمد لله انتهت العملية بسلام، وقبل أن أغادر طالبتُ بالحبة التي اقتلعوها من عيني، فهي حق من حقوقي ولن أفرط فيه، رفضوا طلبي بالإجماع، وفيما عرفت أن أطباء الامتياز يريدون أن يذاكروا دروسهم.. خرجتُ غاضباً .. ولكن بعدها أقنعوني بالمنطق بأن هذه الحبة ستستفيد منها الأجيال من بعدي!!

خرجتُ من باب المستشفى وعزاءي أنني ساهمت في تقدم الطب بـ حبة.!!

السبت، 14 نوفمبر، 2009

متسوّلون .. إلا أنهم رجال أعمال

الكُل يعرف أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن، وأنها تظل العبد يوم الحشر حتى يقضى الله بين الناس، وأنها وقاية من البلاء، وأنك عندما تريد أن تُخرج صدقة لتقدمها لمسكين، يمسكها سبعين شيطاناً، كلنا يعلم ذلك ولكن المشكلة أصبحتْ في أن تُميّز بين من يستحق وبين من لا يستحق، وأن من المتسولين / الشحادين من يقتنع بما تعطيه، ومنهم من لا يقتنع بتاتاً، وإن منهم من عندما يراك يدرك من أول وهلة أن (الله كريم)، وآخرين يرونك فيعتقدون أنك ابن (الوليد بن طلال)، وإن منهم من إذا قلت له :

- الله يعطينا ويعطيك .. الله كريم.!

يمكن أن يرُد عليك:

- أنا أعرف أن الله كريم .. لكن أعطيني جنيه.

متسوّل كهذا من الصعب أن تقنعه أنك (على الحديدة)، وأن الحديدة التي (أنك) عليها صارت قديمة ومن الأفضل استبدالها بحديدة جديدة، خاصة عندما يكون هذا عاشر واحد يمر عليك، فـ المتسول العبيط يعتقد أن لديه حق دستوري في جيبك، على الرغم من أنه – أحياناً- قد يكون في معيّته مصاريف تكفيه للعمرة مرتين في السنة!.. ويمكن أن يصل معك إلي مرحلة:

- (لماذا لا تريد أن تعطيني؟!).

وإذا أعطيته توقع أن يقول لك :

- زدها قليلاً .. نقودك هذه قليلة ولا تكفيني!!

كل ما سبق شيء، والمتسولات من النساء شيء آخر، وأذكر ذات مرة مررتُ بـ امرأة فخمة المظهر، وتلبس ملابساً ثمنها يطعم ستين مسكيناً، ومن هيئتها ظننتها إحدى أميرات الخليج، رأيتها أوقفتْ رجلاً ذو مال وعمامة كبيرة، تكلمت معه ثلاثة جُمل فقط، فإذا به ينفحها بـ أوراقٍ مالية، لو امتلكت نصفها في ذلك الوقت لأصبحتُ من كبار المستثمرين، استلمتْ المرأة النقود وذهب الرجل، بعده أوقفتْ رجل آخر، وتكرر ذات المشهد، وفي اليوم التالي رأيتها هي بعينها تفعل ذات الشيء في نفس المكان، احترتُ من أسلوب التسوّل الراقي الذي تمارسهُ هذه المرأة، وكنوع من تقصي الأخبار مررت بقربها حتى تُوقفني لأعرف المنطق الذي تقنع به ذوي العباءات والعُمامات الذين سبقوني، لكنها لم تعرني أي اهتمام.!

مرّ عليّ أحد المتسوّلين رفض بتاتاً أن يستلم العُملة من فئة جنيه رأسه وألف وخمسمية وعشرين سيف (إلاّ أن يعطوه خمسة وثلاثين جنيه دفعة واحدة!!)، تعجبتُ كثيراً من تصرفه، وكدتُ أن أجري معه لقاءً صحفياً لولا أن الله ستر، حاول البعض إقناعه بأن يستلم الجنيه بالتي هي أحسن، ويتم عليها من بقية الخيرين من عباد الله، ولكنه رفض الفكرة من أساسها، فالظاهر أن هذا متسوّل يعمل بالإجمالي بعد أن ملّ من الفكة والفئات الصغيرة، والغريب أنه أرجع أي عملة أعطيت له وأسمع صاحبها كلمات مثل :

- أمسك مالك عليك يا أخي .. أنا لا أقبل أقل من خمسة وثلاثين جنيه!!

مثل هذا المتسول لا أعتقد أنه ستتحقق أمنيته هذه، اللهُمّ إلا إذا مرّ عليه في طريقه (بل جيتس)، وللعلم أن (بِلْ جيتس) هذا لو حُولتْ ثروته إلى فئة الواحد دولار، يمكن أن يتم فرشها من الأرض للقمر أربعة عشر مرة، وسيُستخدم لذلك سبعمائة وثلاثة عشر طائرة بوينج لنقلها، وثمن عَجَل حديد واحد من لساتك هذه الطائرة يمكن أن يؤمّن مستقبلك -عزيزي القارئ- ويزوّجك أربعة مرات.!

هناك صنفٌ آخر من المتسولين إذا حاولتَ أن تعتذر له بعدم الفكّة تكون قد جنيت على نفسك جناية كبيرة، أحد أصدقائنا مرّ عليه مثل هذا، فحاول التملص منه وقال له:

- آسف يا حاج ليس لديّ فكة!

رد عليه المتسول بثقة وهو يُحلّ قماشاً ملفوفاً:

- أنا لديّ فكة .. إذا كنت ترغب في فكة عشرة جنيه .. عشرين .. فكة خمسين ألف أيضاً عندنا!!

متسول يفك مبالغ كهذه لا بد أنه مؤهلاً لدخول سوق البورصات وشراء بعض من أسهم الشركات متعددة الجنسيات!!.

ولا يغُرّنك منظر بعض المتسولين، منهم من يستحق، إلا أن عشرة من البقية يمكنهم أن يشتروا (برج إيفل) بحاله !!..

وهنا تحضرني قصة واقعية حدثت في إحدى المُدن، أحضر فاعل خير أرز باللبن لمجموعة من المتسولين المُتسورين حول الجامع، وكان الأرز به مادة مخدِّرة، فأكلوه وناموا نوم العافية، وصاحبنا هذا طاف عليهم ليلاً وهم نائمون، ونهب كل مُدخراتهم التي جمعوها عبر السنين، وفي الصباح، وفي قسم الشرطة فتح (المتسولون) بلاغاً بأكثر من ثمانين مليون جنيه.!

يُحكى أن أحد المُحسنين كان يعطي متسولاً يجلس بقرب منزله ألف جنيه يومياً، وظل الرجل المُحسن على هذا الحال لمدة عام كامل لم يقطع الألف عن المتسوّل، وفي يوم ما أعطى الرجل سبعة ألف للمتسول، فـ استغرب منه، ولكنه قال:

- سبعة ألف أفضل من لا شيء.

وبعد شهر صار الرجل يُعطي المتسول خمسة ألف فقط، المتسول استغرب ولم يستطع الصبر وقال للرجل:

- ماذا حدث يا شيخنا .. قبل سنة كانت عشرة ألف .. صارت سبعة لم نقل شيء .. وصلت إلى خمسة .. لا أستطيع أن أصبر أكثر هذا!!

الرجل المُحسن قال:

- في الأول كان أولادي صغار، لكن الآن كبروا .. البنت دخلت الجامعة والولد دخل الثانوي وازدادت المصاريف.!

سأله الشحاد:

- كم عدد أولادك كلّهم؟.

الرجل:

- أربعة!

الشحاد:

- وهل تريد أن تدرسهم الأربعة على حسابي.!


تحليل شخصية المدخن

هل لاحظت شخصاً يلقي ببقية سيجارته ثم يطؤها بقدمه في شره وعنف وغبن، حتى يخيل إليك أنه يريد تحطيم شيئاً آخراً سواها، وهل لاحظت آخراً يشعل السيجارة من سابقتها، وثالثاً لا يكاد يبتلع منها نفساً أو اثنين حتى يلقيها ليشعل غيرها، ترى لماذا يلجأ الناس إلى التدخين في هدوء، ولا ينسى بعضهم يتفنّن في إرسال أشكال عديدة من الدخان المتصاعد من فمه، ومرات تجده يرسل سحب الدخان ويضحك لوحده لتخيله شيئاً عجيباً يعرفه هو وحده؟.

هذه الأسئلة وعشرات غيرها لو استطعت الإجابة عليها لأمكنك دراسة شخصية صاحبها، وكذلك شخصيتك أنت إذا كنت مدخناً، وأحب أن أنصحك بعدم التدخين لأنه ضار بالصحة، لكن أعرف جيداً إذا كنت مدخنا، فلن تقتنع بهذا القول، فـ كل صندوق سجائر قد كتب عليه بخط النسخ العريض:

- (تحذير: التدخين ضار بالصحة وسبب رئيسي لسرطان الرئة).

ولكن لا أظن أن هنالك مدخناً ترك التدخين لمجرد قراءته هذه العبارة، وعلبة السجائر حتى ولو كتب عليها:

- (تحذير: التدخين يسبب حمى الوادي المتصدع، وداء الفيل، وأنفلونزا الطيور، وسبب رئيسي لاختصار الطريق إلي القبور)!

قد يقرأ أحدهم هذه العبارة وهو يجر منها نفساً عميقاً من السيجارة رقم تسعة من ذات العلبة ويغمغم وسط الدخان:

- (بالله .. كل هذه المصائب تأتي من تحتها).!

الخبراء في علم الفراسة يؤكدون أنه من الممكن تماماً دراسة المدخن من طريقة تدخينه، فهم يقولون أن من يدخن سيجارته كلها حتى لا يبقي منها إلا الشيء اليسير، فهو إما بخيل أو شديد الفقر، ومن يدخن سريعاً ولا ينزع السيجارة من فمه فهو حسود غضوب محب للخصام، ولكنه حازم ثابت الرأي، ومن يرمي برماد سيجارته نقضاً على الدوام، فهو مرتبك الأفكار مضطرب البال، ومن يحرك السيجارة دائماً بين يده وشفته حتى يحترق ولا ينتبه، فهو إما شاعر أو محرر جريدة، والغالب أنه من بين عشرة مدخنين كهؤلاء يكون ثمانية منهم محرري جرائد واثنان من الشعراء.!

إذا كنت غير مدخن ويحرقك الفضول لتدرس شخصيات المدخنين، أجلس بهدوء وفي يدك قدح شاي، وتابع معي السطور القادمات.!

طريقة التدخين ودواعيه وحركاته تتأثر جميعها بالحالة النفسية والعصبية، وهذا ما تعتمد عليه الفراسة هنا، والمسألة ليست من الصعوبة بما تتصور، إذا يسهل على كل إنسان تفسيرها وإيضاحها إذا عرف القليل من مظاهر الاضطرابات العصبية وخوالج النفس، ثم تعال إلى هذا المدخن ترقبه وهو يقلب ويداعب صندوق سجائره، فيتناول منه واحدة ولا ينسى أن يدق بها على الصندوق عدة مرات، ثم يشعلها ويلقي برمادها على منفضة السجائر أو على الأرض وقد سرح منه الطرف في واد آخر، ومن هذه الحركة تعرف ما يساوره من هموم وشكوك تعتمل في صدره قد تصرفه عما حوله، وغالباً ما ينتبه بعض هؤلاء الناس ليروا أنهم قد أحرقوا طرف الملاءة أو مفرش المنضدة، أو غطوا الأرض حولهم بأعقاب السجائر، فيعتذرون بأسى، وإذا راقبناهم نجد أنهم بعد فترة يعاودون إتيان ما اعتذروا عنه قبل قليل، لأن متاعب أنفسهم تطغى على كل شيء فيخفونها بالتدخين.!

إن من المدخنين من يشعل السيجارة تلو السيجارة دون أن يشعر لها بطعم، ويدخن الكثير من السجائر دون أن ينال منه ما يريد، وكل ما يهمه هو أن يتأملها بين أصبعيه. إن أمثال هذا المدخن وغيره يعانون اضطراباً عصبياً حاداً وغالباً ما يكونون من رجال الأعمال الذين كل همهم الإسراع في العمل وتركيز الفكر والإنتاج الوفير.!

أما ذلك الذي ينفث الدخان في بطء فهو خالي البال، يقل تدخينه أثناء النهار ويكثر في أوقات الفراغ وفي الليل، حيث يستطعم السيجارة، ومثل هذا يتصف بالتفكير العميق وسرعة البت في الأمور.!

وهنالك مدخنون يطيب لهم أن يروا أشكالاً معينة خلال سحب الدخان التي تخرج من أفواههم في شكل حلقات يتفننون في إخراجها، فهؤلاء من النوع الخيالي الذي تراوده أحلام النهار، وتترائي له في دخان سيجارته، وتبرز طبيعتهم في هذا المظهر فيحاولون به ابتداع غير المألوف للناس ويجدون لذتهم في تصاعد الدخان على تلك الصورة، فلذة التدخين عندهم هي رؤية الحلقات أثناء التدخين وليس في الطعم أو النكهة.!

أما أولئك المدخنين الذين يبتلعون من السيجارة نفساً أو نفسين ثم يدعونها تحترق لوحدها؛ فإنهم يدلّون بذلك بأن العمل يستأثر بهم فينسيهم وجودها، وهؤلاء لديهم اعتقاد بأنهم سيكفون عن التدخين قريباً ولكن هيهات، أحياناً ينجحون، إلاّ أنّ بعضهم يترك التدخين عشرين مرة في الشهر!

وهنالك فريق آخر يلذ لهم إخراج سحب الدخان بسرعة، كقطار داخل إلى المحطة لتوه، فلا يكادون يضعون السيجارة في أفواههم حتى ينفثوا دخانها في عجلة، وأمثال هؤلاء الناس كثيراً ما يكونون واقعين تحت إرهاق عصبي لا يحتملون معه الانتظار، وتقلقهم بعض المسائل التي لا يجدون لها حلا فـ ينفثون قلقهم في السيجارة، ويقال أيضاً أن هؤلاء ابتلوا بزوجات مشاكسات كثيرات الكلام, نسأل الله يكون في العون.!!



الأربعاء، 28 أكتوبر، 2009

عندما ينشغل المدير بصغائر الأمور

يُحكى أنّ في إحدى المؤسسات التي تخدم مصالح العباد، كان هنالك مدير يُسَيّر هذه المؤسسة بقبضةٍ من حديد، وهو مع ذلك يُؤمن بـ حُرية أي موظفٍ لديه في التعبير عن رأيه بكل صَراحة، حتى وإن كان مُخالفاً لـ هَواه، وكان لدَى هذا المدير مبدأٌ ثابت في أسلوب إدارته، وهو أن الاهتمَام بـ الأشياء البسيطة، حتماً سيقود إلى نجاحات كبيرة، ولو بعد حين.!

في يومٍ ما دخل أحد مكاتب المؤسسة، فوجد مُوظفة تشرب كوباً من الشاي الأحمر، فوجئت الفتاة برؤيته، فـ انزلق منها (كوب الشاي) واندلق على كوُمة الأوراق المَرْصُوصَة أمامها على سطحِ المكْتب، والتي فيها مصالح الكثير من المواطنين، وابتلّ معظمها.!

بعدها مُباشرة أصدر المدير استدعاءات سريعة لكل مُوظفي المُؤسسة لحُضور اجْتماعٍ طارئ ليناقَش فيه أمرٌ مُهم، وأمَر أن تُغلق أبْواب المُؤسسة اليوم من الخارج مَع إلصاق إعْلان للمواطنين يُخبرهم بأن مُوظفي المُؤسسة كُلهم لَديهم اجتماع فوق العادة.!


بَعد أن جَلَس الجميع في قَاعة الاجتماعات الكُبرى، حَمْحَمَ المدير ثم قال:

- أتدرون ما سبب هذا الإجتماع أيها القوم؟

هزّ الجميعَ رُؤوسهم عَلامة النفي.

أشَار المُدير بأصبعه السّبابة إلى فتاة تَجلس بَعيداً، ثم قال:

-هذه الموظفة إندلق منها كوب الشاي في أوراق المواطنين، ماذا إذا مُسح بسبب هذا رقم شيك أو فاتورة بالملايين .. أمصيبة هذه أم ليس مصيبة؟

هتفوا بصوت واحد:

- مُصيبة!

واصل المدير:

- حسنٌ .. لو أنّ هنالك نقطتان من الشاي استقرّتا أما رقم في مستندات مواطن ما .. وذادت فاتورته مبلغ كبير .. أليست هذه مشكلة؟
هتفوا بصوت واحد:

- مُشكلة!

- إذا أيها القوم .. وحفاظاً على مستندات المواطنين.. وبما لي من صلاحيات.. أنا بصدد إصدار قرار يتم بموجبه عدم شرب الشاي الأحمر في مكاتب المؤسسة.. ما رايكم؟

صَمَتوا بُرهةً، ثم قال أحد الموظفين:

- لكن يا سعادة المدير .. الشاي الأحمر يساعد على التركيز .. ومن دونه لا نستطيع العمل بحماس .. وإذا منعته سيؤثر هذا على أداء سير العمل في المؤسسة .. فـ أنا أقترح بدل إلغاء الشاي ..أن تصدر سعادتك قراراً ، أي موظف يجب أن يشرب الشاي بي كوب له (أذن).. حتى يمسك بها جيدا فـ تنزلق منه تضر مستندات المواطنين.!

قال المدير:

- نعم الرأي يا بنيّ .. ما رأيكم؟

رفع أحد الموظفين يده قائلاً:

- لكن يا سعادة المدير أنا لا أحس بمتعة شرب الشاي بكوب له أُذن.!

وبعدها رفع موظف آخر يده وقال ذات الكلام .. ثم رفع عدد كبير أياديهم وقررّوا بأن مزاجهم لا يعتدل إلاّ إذا شربوا الشاي في كوب بلا (أذن).!!

انقسم القوم إلى قسمين: (جماعة الكوب بـ أذن) و(جماعة الكوب بلا أذن)، وصاروا يتناقشون في هذا الأمر لخمس ساعات كاملة ولم يتوصّلوا لقرار نهائي، بعدها تم فضّ الاجتماع على أن يتم مواصلته غداً.!


لا زالت أبْواب المُؤسسة مُغلقة في وُجوه المواطنين، وتمّ تجديد الإعلان بأنه سيتم مُواصلة الاجتماع اليوم والأيام التالية، وأن كلّ هذا في مصلحتهم لو كانوا يعلمون.!

وفي قاعة الاجتماعات حَضَر المُدير وجميع الموظفين في الصباح الباكر، مَسَحَهُم المدير بنظرة شاملة وقال:

- بما أننا لم نصل إلى إتفاق حتى الآن .. وحتى يكون الأمر مُنظّماً.. أنا أطلب من (جماعة الكوب بـ أذن) أن تنتخب مُمثّلا يتحدث باسمها، و (جماعة الكوب بلا أذن) تنتخب واحداً أيضاً .

رفع أحد الموظفين يده من (جماعة الكوب بلا أذن) مُرشّحاً نَفسه، وأبدى أسبابه بأنه مُوظّف له خبرة طويلة، ومن الكوادر القديمة في العمل الإداري، وهو مؤهّلٌ تماماً لتمثيل (جماعة الكوب بلا أذن)، ولكن مُوظّف آخر من نفس الجماعة رفع يده وترشّح ضدّه مُبدياً أسبابه بأنه لديه مَلَكة القيادة، ويمْتاز بـ الكفاءة العالية التي تجْعله أقْرب رجل للمنصب.!

وذات الأمر حدث في (جماعة الكوب بـ أذن) حيث ترشّح لإدارتها ستّة موظفين كل منهم يرى أنه الأفضل لتمثيل الجماعة.!


- استمر الخلاف بين (جماعة الكوب بـ أذن) وبين (جماعة الكوب بلا أذن) لمدة شهر، وهم يتناقشون حَول منْ أحقّ بتمثيل جماعته، خاصة أن المدير قد أسهم في تأجيج الصراع، فهو ترك حياده وصار يميل لـ(جماعة الكوب بـ أذن)، لأن (الكوب بـ أذن) -حسب رأيه يساهم في الحفاظ على مستندات المواطنين من الشاي الذي ينزلق صدفة، وطيلة هذه الفترة أغْلقت المؤسسة أبوابها في وجوه المواطنين بحجة أن لديها إصلاحات إدارية بالداخل.!


- وهذا هو نموذج للمدير الذي ينشغل بصغائر الأمور.


الأحد، 25 أكتوبر، 2009

خرج ولم يعد

(خرج ولم يعُدْ) عبارة قد تكون سمعتها كثيراً في نهاية الأخبار في الراديو، أو قرأتها في إحدى الصحف، وأن من صفاته الأساسية أنه (مختلّ العقل)، ومن النادر أن تسمع بـ عاقل خرج ولم يُعد، على الرغم من أن العقلاء الذين يخرجون بإرادتهم ولا يعودون؛ أكثر من المختلين الذين لم يعودوا، ولكن الذي تلاحظه أكثر أن الأوصاف التي تُذاع من الصعب عن طريقها أن تجد هذا الذي خرج ولم يعد، والذي غالباً ما تكون أوصافه كالآتي:

- عيونه عسلية، شعره فلفلي، أسمر اللون، يرتدى جلباب لونه أبيض، أو قميص اسود وبنطلون أحمر، مختلّ العقل، من يجده عليه تسليمه لأقرب مركز شرطة.!

نسمع مثل هذا الخبر كثيراً، ولكن لم نسمع في يوم من الأيام أن أحد المختفين وجده مواطن سمع بأوصافه من الراديو أو الصحف، لأن الأوصاف السابقة من الصعب أن تجد بها شخص مختف، وإذا افترضنا أنه تم إيجاده، فأنك لن تسمع بتاتاً في أخبار التاسعة تنويهاً كالآتي:

- الإخوة المواطنين الكرام .. نحييكم فرداً .. فرداً .. ونتمنى لكم دوام الصحة والعافية .. نفيدكم بأننا وجدنا الرجل الذي كان مختفياً .. ونأسف كثيراً لأننا أتعبنا سعادتكم معنا بالبحث.. جزاكم الله خيراً .. وشكر الله سعيكم.!

إذا سودانيّاً، كنت تأكل الطعام وتركب المواصلات وتمشي في الأسواق، فمن خلال الملاحظة والبحلقة في وجوه الناس، وإذا دققت النظر جيداً؛ ستجد أن معظم السودانيين تنطبق عليهم أوصاف الأشخاص عينة الذين خرجوا ولم يعودوا، تأمّل في العيون – أبعد عن عيون البنات .. حتى لا تجعلني لك سبباً- ستجد أن كل العيون أو معظمها عسلية اللون، في حياتي لم أجد سودانياً عيونه خضراء أو كحلية، وجدتُ بعضاً منهم عيونه حمراء يتّقد منها الشرر، وهذه في الأصل كانت عسلية، إلاّ أنها احمرّت لأسباب يسع لها المجال هنا تماماً، لكن لا داعٍ لذلك.!

الكثير منا يمتلك شَعراً فلفلياً .. وهذا عكس الشعر (السبيبي) الناعم، ما أعرفه أن الشعر الفلفلي يشبه الفلفل، ومعظم السودانيين له شعر فلفلي، لذا عبارة (شعره فلفلي) التي يصفون بها الشخص المختفي، لم تعد تصلح بأن يوصف بها أحد عندنا، سواء خرج ولم يعد أو خرج وعاد!

اللون الأسمر هو اللون المعروف للسودانيين وهو الذي يميّزنا عن بقية الشعوب، وهذا لا يمنع أن منا من كان لونه فاتحاً أو غامقاً، هذا للرجال، أما البنات فـ منهن من تتدرج ألوانهم عكس اتجاه ألوان الطيف، ولكن من حكم الله أنني لم أسمع أن فلاناً ما خرج ولم يعد، وأن من أوصافه أنه أبيض اللون! وهذه من الممكن أن تكون نواة لدراسة جديدة مفادها بأن الناس السُمر لديهم قابلية أن يخرجوا ولا يعودوا أكثر من الناس الـ لونهم فاتح.!

بما أن السودانيين معظمهم سُمر، إذاً عندما تصف بأن فلاناً هذا لونه أسمر، تكون قد أهدرت بعض كلمات اللغة العربية في غير طائل، وهذا يشبه تفسير الماء بالماء والبطيخ بالبطيخ!

أما اللبس فمن الحكمة أيضاً أن غير المختفين يلبسون نفس ملابس المختفين، فنحن إما أن يكون لبسنا جلابية أو بنطلون وقميص أو فانلة، مع أن بينهما أمور مشتبهات يلبسها البعض، وهي لا تميل إلى البناطلين، ولا إلى الجلاليب! وهذا يؤدي إلى أن التمييز بالملابس صعب، خاصة وأن الجلاليب معظمها أبيض اللون، وأن ألوان الأقمصة والبناطلين والفنايل لا تتجاوز السبعة ألوان.!

نأتي إلى آخر الأوصاف (مختل العقل)، فـ مرات من الصعب أن تفرز بين العقلاء ومختلي العقول، ولا تظنن أن المجنون أو مختل العقل هو فقط من يقذف الناس بالحجارة في الشوارع، أو يتكلم لوحده، أو يمشي عارياً ويمسك ساطوراً تسيل منه الدماء والزبد يتناثر من شفتيه، إن من المجانين من يلبس أفضل من (توم كروز)، وإذا تكلم معك قد يقنعك بالمنطق بأنك أنت المجنون لكنك لا تعرف هذه المعلومة المهمة.!

مما سبق نقترح على ناس الإذاعة أن ينتهجوا نهجاً جديداً في إذاعة أوصاف المختفين والذين خرجوا ولم يعودوا، وأن يكون الوصف أكثر دقة، وسأورد لك هنا مثالاً:

- الإخوة المواطنين الكرام .. خرج المدعو عكرمة بن الأحنف من قبيلة بني تميم ولم يعدْ حتى الآن، أوصافه كالآتي: أولاً أنه حنون، غير مختلّ العقل .. وغير مجنون .. وصحته أفضل منك، ومني –أنا المذيع شخصياً- البعض يقول أنه خرج غاضباً! أما عن ملامحه فإنه أصلع وله رأس صغير ومركب على كتفيه بحيث يمكن للجميع رؤيته من جميع الجهات بكل سهولة، مع العلم أن له أنف أكبر من أن يستوعبه الخيال، وأعين أصغر من أن توصف، حواجبه غير مقرونة، وهو لا بالطويل ولا بالقصير ولا بالمتوسط ولا بالسمين ولا بالنحيف، وإنه تيتّم بعد أن وصل الأربعين، وإنه –أحبّتي- عاش حياته كلها مُفلّساً ومعدماً فـ لا طال منها عنب المكسيك ولا بلح السنغال.!


من عجائب الحكاوي في عصر البلاوي

إن من عجائب الأمور في شبكة الإنترنت، أن هنالك موقع إلكتروني للتسلية، تدخل فيه تاريخ ميلادك باليوم والشهر والسنة والنوع (ذكر/أثنى)، ويوجد مربع للأسفل قليلاً تختار منه الحالة المزاجية (متفائل/متشائم/سادي) والسادي هو الذي يستمتع بتعذيب الآخرين، ولست أدري ما الذي أدخله هنا – اصبر معي قليلاً سأخبرك ما سيفعل الموقع بهذه المعلومات- وآخر مربع تختار منه (مدخن/غير مدخن)، وبعدها أضغط على مربع موافق ليخبرك الموقع بميعاد (وفاتك).!!

أي والله العظيم.. إنه موقع أجنبي متخصص في معرفة مواعيد الموت حسبما يزعم أهله المغفلين –استغفر الله العظيم- وقد وجدتُ قبلي الكثيرين ممن دخلوه وخرجوا ما بين مذهول ومستغرب ومحبط وقانع من خير الدنيا الزائلة.!

عموماً بما أنني ما لا أخسر شيئاً، إذ اتخذتُ قراراً شجاعاً لأأخوض التجربة، أنني مؤمن تماماً بأن كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وأن هذه الدنياً آخِرها كوم تراب، لذا سأملأ البيانات وسأرى تكهنات هذا الموقع المخرف ماذا ستقول، وعلى الأقل سيكون هذا حافز ليتذكر المرء ميعاد الرحيل، حتى يكثر من صالح الأعمال، لتنفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، أعرف تماماً أن لكل أجل كتاب لا يعرفه سوى الخالق عزّ وجل، لذلك لا ضير من التجربة.!

توكلتُ على الحي القيوم وملأتُ مربعات العمر باليوم والشهر والسنة حسب ترتيبها في الموقع، وحددتُ النوع، أما مربع الحالة المزاجية فـ اخترت منه (متفائل) -أخشى أن أختار متشائم فيكتب لي أنني من المفترض أن أتوفى قبل خمسة سنوات، تبقى لي مربع الوزن، وبما أنني آخر مرة وزنتُ فيها جسم العبد لله كانت قبل سبعة سنوات في ميزان يحمله طفل صغير تحت مظلة في السوق العربي؛ لذا كتبتُ ذات الوزن الذي أعتقد أنه لم يزد كثيراً، أما مربع (مدخن/غير مدخن) اخترتُ غير مدخن وهذه حقيقة، وبعدها ضربتُ أكباد (الماوس) وتوجهت بـ مؤشره نحو مربع مكتوب عليه بما معناه: (أضغط هنا لتعرف متى ستموت)، وهنا ترددتُ .. أضغط .. أم لا أضغط .. الله يستر .. أضغط فيقول لي أنني سأموت غداً عندما تميل الشمس نحو الغروب، وسينتهي العزاء بانتهاء مراسم المقال، ونتقبل تعازيكم على موتي المزعوم بمقر شركة قوقل التي استضافت هذه المدونة مجاناً جزاها الله عنّا كل خير، المهم .. بعد دقيقة واحدة اتخذت قرار مصيري، أولاً سألتُ الله أن يُطوّل في عمر أمة الإسلام، توكلت على الحي القيوم مرة أخرى، وضغطت المربع.. بعدها .. هذا الموقع الدجال الأشر كتب لي أنني سـ أنتقل إلى جوار ربي في عام (2012) ميلادية بالضبط، ويقع يوم أحد، أي أنني تبقتْ لي في هذه البسيطة ثلاث سنوات فقط .. أنا الذي إذا ضُربتْ سنوات عمري في نفسها ثلاث مرات؛ لما وصلت إلى عمر كهل، عموماً الدوام لله .. وفي صفحة منفصلة لم يُقصّر موقع الإنترنت، أظهر لي عداد تنازلي يعمل بالثواني، حسب لي ما تبقت لي من سنين بالثواني، أنظر لهذا المفتري، فأتى الناتج كذا مليار ثانية، اطمأننت نوع ما، ولكن بعدها بدأت الثواني تتناقص بشكل سريع، وكأنها تخبرني بأن الحياة دقائق وثواني، في هذه اللحظة ..جردتُّ كل سنوات عمري الـ كذا وعشرون سنة، لأرى ماذا قدّمتُ لها بين يدي الله، فـ وجدتُ أن الحال لا يسُر، وقلت الله لا يوفق هؤلاء الزناديق الذين صمّموا هذا الموقع، تذكرتُ حينها أبيات الإمام الشافعي التي قال فيها:

تمنى رجالٌ أن أموت وإن أمُت * فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ

وما موت من قد مات قبلي بضائري* وما عيش من قد عاش بعدي بمخلدِ

وسألتُ الله أن يرحمني إذا دنا الرحيل، وأزف التحويل، وعرق الجبين، وأن يتولاني إذا واراني التراب، وودعتُ الأحباب، وفارقتُ النعيم، وانقطع النسيم.!

عزيزي القارئ أرجو ألاّ تتناول صندوق المناديل- والله ناس الموقع هؤلاء دجّالين ليس إلا، لأنني في هذه اللحظة دخل صاحبي ووجدني واضعاً يدي على رأسي وأنا أحسب ما تبقت لي من الأيام، قصصتُ عليه الأمر، وقلتُ له أن يجرّب، وبما أنه مُحبط بالفطرة، ويشتكي من العطالة والفلس، ولا يخشى سوء المنقلب، بدأ يكتب وهو يقول لي بيأس:

- أتمنى أن يكتب أنني سأموت غداً!

سألته أن يحسن الظن بالله، ولا يقنط من رحمة المولى، وبالفعل ملأ البيانات كلها، كتب في مربع السنوات أنه من مواليد ألف وتسعمائة وخمسة وسبعين، وأنه غير مُدخن، وغير متفاءل بتاتاً، وضغط مربع موافق، وكانت المفاجأة أن الموقع كتب له أنه من المفترض أن يتوفى منذ العام ألفين وثمانية، أي والله، نظرتُ في وجهه لأرى وقع الأثر عليه، فوجدته قد صمت قليلاً، ثم أطلق ضحكة مجلجلة، طالت ضحكته حتى خفتُ عليه أن يصيبه مسّ من الجنون.!

بعدها .. أغلقت جهاز الحاسوب، وأنا متأكدٌ تماماً أن هذا الموقع يعمل خبط عشواء، وأن أهله صمموه للتسلية لا غير، وتوصلتُ لأنه إذا كانت هنالك فائدة من هذا الموقع الإلكتروني؛ فهو قد يذكرك بأن الحياة قصيرة، وأن تعمل فيها لآخرتك كأنك تموت اليوم، لأنه لا تدري نفس ماذا تكسبُ غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت.!


نحو استثمار كهرباء الرؤوس

أثبت العلم الحديث أن الجسم يومياً يستقبل قدراً كبيراً من الإشعاعات، تهديها إليك الأجهزة الإلكترونية، ابتداءاً من الموبايل الذي تحمله في جيبك، الذي إن وضعته في الجيب الأمامي ستؤثر ذبذباته على القلب، وإذا وضعته في الحزام قد يؤثر على الخصوبة حسبما تقول بعض الدراسات، وإذا تحدثت به لمدة طويلة قد تؤثر موجاته المنبعثة على خلايا المخ.!

وغير الموبايل توجد الكثير من الأجهزة الكهربائية التي تساهم في شحن الـ بني آدم بالإشعاعات، التلفزيون والحاسوب، والإضاءة، ومعظم الأجهزة التي لا نستغني عنها طيلة فترة الليل والنهار، إي أنك –عزيزي القارئ- مشحون بالكهرباء ولا تشعر بذلك، إذن كيف الخلاص؟ وكيف تتخلص من هذه الكهرباء التي تنعكس عليك في شكل صداع، وشعور بالضيق، وخمول وكسل.!

توصل باحث عربي غير مسلم في دراسة إلى أن أفضل طريقة ليتخلص جسم الإنسان من الشحنات الكهربائية الموجبة الضارة، هي أن يضع جبهته على الأرض أكثر من مرة في اليوم، ولأن الأرض سالبة فهي تسحب هذه الشحنات وتفرغ رأسك من الكهرباء الضارة، كما يحدث في السلك الكهربائي الذي يُربط في المباني العالية لسحب شحنات الكهرباء من الصواعق إلى الأرض، والذي يسمى بـ(مانعة الصواعق)، ويقول الباحث من الأفضل أن تضع جبهتك باتجاه مركز الأرض حتى تتخلص من الشحنات بشكل أفضل، وقد ثبت أن مركز الأرض هو (مكة المكرمة)، وأن (الكعبة المشرفة) هي محور الأرض تماما كما تثبت ذلك في الدراسات الجغرافية باتفاق المتخصصين جميعا.!!

إذن نصل من هذا إلى أن السجود والصلاة تفرغ ما امتلأ به الرأس من شحنات كهربائية، لكن الناظر إلى وضعنا الآن، سيدرك بـ المنطق أن رؤوسنا ممتلئة بالكهرباء حتى النخاع، لأن صلاتنا غير المتقنة هذه، وسجودنا الذي يشبه نقر الديك للذرة، أعتقد أنه قد لا يؤهلنا لتفريغ كل كهرباء الرأس، والإحساس بلذة ومتعة الصلاة الحقيقية، وهذا يعني أننا نمتلك رؤوساً عبارة عن بطاريات تشحن بـ (الشيرز) يومياً من ضغوطات الحياة ومشاكلها، ولا يتم تفريغها بالشكل الأمثل، وإذا استثنينا شاب نشأ في عبادة الله، ورجل تعلق قلبه بالمساجد، ومعه الذين يؤدون الصلاة بحقها ومستحقها؛ إذا استثنينا هؤلاء ستجد أن رؤوس البقية بها كمية ضخمة من الطاقة الكهربائية، وإذا أفرغت رأس واحد منهم قد تجد أن طاقته تكفي تماماً لإضاءة كل لمبات المنزل، وخصوصاً إذا كان من بين أفراد الأسرة من يمتلك رأساً كبيراً بعض الشيء، والمصيبة إذا كان تارك صلاة، فهذا سيتكفل وحده بالثلاجة والتلفزيون.!

اعتقد لو أحد العلماء المجانين اخترع جهازاً للاستثمار في كهرباء الرأس سيستفيد كثيراً، أنظر لمن حولك للناس الذين يمشون في الأسواق تلسعهم شمس الصيف الحارقة، ستجد أن الكل عصبي المزاج ومشحون بكهرباء عالية، يمكن لهؤلاء أن يؤجروا له رؤوسهم ليستحلب منها بعضاً من الطاقة الكهربائية على الأقل لسد فجوة القطوعات المبرمجة، وهذا يعتبر بالنسبة للعاطلين مصدر دخل لا بأس به، فالكل يمتلك رأساً يمكن أن يستفيد منه عند انعدام الحيلة.!

الزوجة (النقناقة)، ذات الثرثرة والكلام الكثير، عادة ما يكون رأسها مشحوناً لآخره، وتوجد الكثير من الأشياء التي تشحنه، إزعاج الأطفال، لا مبالاة بعلها من بعض تفاصيل البيت، وتجتهد بأعجوبة لإيجاد معادلة لتغطية نفقات البيت من المصاريف القليلة، التي إذا غطت (رأس) كيس الخضار تنكشف لها (ساق) فاتورة الكهرباء، وأعتقد أنها تفرغ بعض من هذه الشحنات عبر الثرثرة ، وأعتقد أيضاً أن هذا يعتبر إهداراً للطاقة، لأن الكهرباء التي تبددها في الكلام الفارغ –إذا تم تسويق الجهاز الذي يستثمر كهرباء الرأس- يمكنها أن تشغل بهذه الشحنات الكهربائية المراوح على الأقل، ولكنها أيضاً بثرثرتها هذه تُشكل مصدر طاقة من ناحية أخرى، فزوجها الذي يحتمل كل هذا الكلام لابد أن يكون رأسه كذلك مشحوناً بطاقة كهربائية تضيء مدينة بأكملها.!

( مستشفيات المجانين)، وهذه عبارة مفاعلات نووية لم تستثمر بعد، وأعتقد أن المصابين بـ الأزمات النفسية، هؤلاء تراكمت عليهم الشحنات مع عدم إمكانية تفريغها، وأدت في نهاية الأمر إلى أمراض نفسية غريبة مثل (ضلالات العدمية) و(الذهان) وغيره ، فـ المرضى النفسانيون بـ الذات لديهم فائض كهرباء زائدة عن الحاجة، وذلك حسب حالاتهم، منهم من مرّ بأزمات خفيفة، مثلاً هجران حبيبته له أدى إلى (اضطراب فصام عاطفي)، هؤلاء طاقاتهم ضعيفة، أما (المجانين) بحقّ وحقيقة، فهؤلاء هم المستفيدون حقاً، علاوة على أن جِنّهم سيتداوى بإفراغ شحناتهم، فإنهم سيصبحون رجال أعمال وذلك باستثمار رؤوسهم المشحونة ، التي ستكون بالنسبة لهم عبارة عن مصدر دخل ثابت، وحينها فقط سينطبق عليهم المثل الذي كان منطبقاً بالخطأ القائل: (المجانين في نعيم).!


حسنين عبد الملك حسنين .. في رحلة إلى الصفر!!

سألتُ الحكيم شيخُنا ذات مرة وقلتُ له:

- يا شيخنا .. الكاتب، سواء كان صحفياً أو أديباً أو كل من يمسك بالقلم ليخط حرفاً يقرأه غيره، كيف يعرف أنه نجح؟ كيف يعرف أنه استطاع أن يوصل رسالته للناس؟

أطرق شيخنا قليلاً ثم حكّ ذقنه كما يفعل الحكماء عادة عندما يسألونهم عن كيف يعرف الكاتب نفسه ناجحاً، ثم قال:

- اعلم يا بني أنّ الكاتب يمرّ بثلاث مراحل: (مرحلة تحت الصفر) أو (السالب)، (مرحلة الصفر)، و(مرحلة فوق الصفر) وتُسمى بـ (المُوجب)، يبدأ الكاتب مسيرته من تحت الصفر، من سالب بعيد، فيكون مغموراً، يكتب ولا يُقرأ له إلا القليل، ثم يمكث في هذا السالب ما شاء له أن يمكث، هنالك من يظل تحت الصفر عدة أيام، وغيره عدة شهور، وغيره عدة سنوات، ويكون له الخيار، إذا شاء سيتقدم وإذا أراد سيظل تحت صفره، كطفل أتاك يمسك بعصفور من عنقه ويخفيه خلف ظهره، أنت تعرف أن العصفور حيٌّ يرزق، ولكن يسألك الطفل:

- لدي عصفور في يدي خلف ظهري خمّن: هل هو حي أم ميت؟

وبما أن الأطفال يمتازون بالمكر والدهاء، إذا قلت له أن العصفور ميّت سيطلقه ليطير، وإذا قلت له أن العصفور حي يرزق، سيخنقه من عنقه ويسلمك له بلا روح، وأسالني يا بُني كثيرٌ من الأطفال يستمتعون بخنق العصافير عندما تقع في يد أحدهم، وحياتك مع الكتابة كمثل هذا الصبي، إذا شئت قتلتها، وإذا شئت تركتها لترفرف وتحلّق بك إلى النجاح، وهذا مَثلُ الكاتبُ وهو (تحت الصفر).


يواصل شيخنا:

إذا اجتهد الكاتبُ يا بُني، يستطيع أن يُقطّع حبال السالب وينطلق نحو الصفر، ولا تظنّن أن الوصول إلى الصفر هيّنٌ إلى هذه الدرجة، الصفر هو المكان التي يتساوى فيه جميع الكُتّاب، الصفر هو المنطقة التي إذا وصلتها، لن يتهمك أحد بالفشل، وكذلك لن يصفك أحد بالنجاح، الصفر هو المكان الذي يبدأ الناس برؤيتك منه، وهم فقط، إذا شاءوا انتشلوك منه، أو أرجعوك من حيث أتيت، إلى سالبك القديم، وإذا شاءوا رفعوك إلى فوق الصفر .. إلى الموجب، وكل هذا في النهاية بيدك، أنت الذي تجعلهم يرجعونك، وأنت الذي تجعلهم يثبتوك فيه، وأنت الذي تجعلهم يرفعوك منه.!

فـ الصفرُ يا بُني كالسالب تماماً في بعض الصفات، هنالك من يمكث فيه عدة أيام، وغيره عدة شهور، وهنالك من يظلّ فيه إلى الأبد، الصفر يشبه القمة، التي يصفها البعض بأن الوصول إليها صعب، ولكن المكوث فيها أصعب، الصفر كذلك المكوث فيه كـ أهل الأعراف، الذين تساوت سيئاتهم وحسناتهم، ينظرون إلى أهل النار فيستعيذون بالله منها ومن شرّها، ويحمدون الله أنهم ليسوا فيها، وينظرون إلى أهل الجنة فتتحّرق أنفسهم شوقاً للوصول إليها، ويندمون أشد الندم على أنهم ليسوا معهم، والماكثون في الصفر، ينظرون إلى أهل السالب فيستعيذون بالله من السالب ومن أهل السالب، وينظرون إلى أهل الموجب فتمتلئ أنفسهم بالحسرة والألم على أنهم ليسوا في زمرة أهل الموجب.


أما لماذا يظلّ أهل الصفر في الصفر، فهذا يشبه قصة الرجل الذي رأى رجلاً آخراً يركب قارباً في النيل، ويجدّف بكل ما أوتي له من قوة، ومع كلّ هذا، فإن القارب لا يتحرك إلى الأمام إطلاقاً، ذهب إليه ووجد العرق يتفصّد من جبينه، فسأله:

- ما بالك أيها الرجل؟

فأجابه صاحب القارب وأنفاسه تعلو وتهبط:

- كما ترى يا سيدّي أنا أجدّف وهذا القارب لا يتحرّك؟

نظر إليه الرجل مبتسماً ثم قال:

- لماذا لا تفّك الحبل الذي يربط القارب إلى الشاطئ.؟!

وهكذا الحال يا بُني، أهل الصفر يربطهم إلى الصفر حبلٌ خفي، لا يعرفون موضعه، وإذا عرفوه، واستطاعوا حلّه، سينطلق بهم القارب، ويتّجهون إلى الموجب، وينجحون، وتنطبق عليهم ذات القاعدة القديمة: إما أن يواصلون التقدم في الموجب وإما أن يتراجعون إلى الصفر.

وكما ترى يا بني أن الكاتب يعرف أنه نجح، وأنه أوصل رسالته للناس عندما يصل إلى فوق الصفر، إلى الموجب، وكما رأيت، فإن الوصول إليه ليس بهذه السهولة كما تظنّ.


هززتُ رأسي عجباً ثم قلتُ له:

- يا شيخُنا، كيف يعرف الكاتب أنه لا زال تحت الصفر؟ وكيف يعرف أنه في الصفر؟ وكيف يعرف أنه وصل إلى فوق الصفر أو إلى الموجب؟

حكّ شيخنا ذقنه برهة، وكما قلتُ سابقاً فإن حكّ الذقون هي عادة الحكماء في كل العصور، ثم قال:

- اعلم يا بني أن الكاتب يعرف أنه نجح عندما يؤثر بأفكاره في الناس، مثلاً أفترض أن هنالك كاتبٌ اسمه (حسنين عبد الملك حسنين)، أراد أن يعرف إلى أين وصل، هل هو تحت الصفر؟ أم أنه في الصفر نفسه؟ أم أنه فوق الصفر، خرج (حسنين) إلى الشارع العام، وأوقف أحد المارّة وسأله:

- يا ابن العم .. هل تعرف الكاتب الصحفي (حسنين عبد الملك حسنين)؟

فيهزّ المواطن رأسه بحيرة ثم يقول:

- لا .. للأسف لم أسمع به؟

هنا يرجع (حسنين) مُحبَطاً، ولكنه يعرف أنه الآن (تحت الصفر).!


بعد عدة شهور، أو عدة سنوات، يخرج (حسنين) إلى الشارع، فيقابل ذات الشخص الذي قابله من قبل ويسأله:

- يا ابن العم .. هل تعرف الكاتب الصحفي (حسين عبد الملك حسنين)؟

هذه المرة يجيبه المواطن مباشرة:

- نعم أعرفه .. إنه يكتب في صحيفة كذا؟

حسنين يسأل مرة أخرى:

- هل تعرف شكله كيف يبدو؟ أو هل تتذكر واحدة من مقالاته؟

فيجيب المواطن:

- الحقيقة لا أعرف شكله .. قرأت له ولكن لا أتذكر واحدة من مقالاته.!

يرجع (حسنين) مُحبَطاً ولكنه يعرف أنه الآن وصل إلى (الصفر).!


بعد عدة شهور أو عدة سنوات يخرج حسنين إلى الشارع، ومن عجائب الأمور أن يجد نفس الرجل الذي صادفه من قبل ويسأله ذات السؤال الخالد:

- يا ابن العم .. هل تعرف الكاتب الصحفي (حسنين عبد الملك حسنين)؟

فيبحلق فيه المواطن مندهشاً ثم يقول بانبهار:

- أووووه .. أنت هو الكاتب المشهور حسنين عبد الملك حسنين.!!

ثم يبدأ المواطن في الحديث بأنه لقد قرأ للكاتب (حسنين) مقالاً عن كذا وكذا وكذا، وأن المقال الفلاني أثرّ فيه وغيّر مجرى حياته، وأن العمود الفلتكاني جعله ينظر إلى الدنيا بمنظار جديد، ثم يرجع الكاتب (حسنين عبد الملك حسنين) إلى بيته مسروراً، ويعرف أنه الآن كاتباً صحفيّاً في قلب (الموجب).!

ثم أردف شيخنا قائلاً:

- الآن يا بني .. هل فهمت كيف يعرف الكاتب أين وصل؟

قلتُ بإحباط:

- نعم يا شيخُنا فهمت؟

التفت شيخنا نحوي ثم قال باهتمام:

- أنت الآن كاتب صحفي يا بُني، قل لي أين مكانك؟ هل أنت تحت الصفر؟ أم في الصفر نفسه؟ أم فوق الصفر؟

أجبته بإحباط يزيد عن الإحباط السابق بحوالي عشرة درجات:

- اعتقد يا شيخنا أنني الآن بالضبط في سالب ما لا نهاية، وحتى أصل الصفر سيحتاج الأمر مني ربما عدة قرون.!

ثم خرجتُ إلى شارع مزدحم بالمواطنين، وصرت أجول ببصري لعلّي أجد ذلك المواطن الذي صادفه الكاتب (حسنين عبد الملك حسنين).!

الخميس، 22 أكتوبر، 2009

للمتزوجين حديثاً: لا تصدقوا هذا الكلام

المُجرّب عادةً هو من يُبدي الرأي ويتبرع بالنصح والمشورة، ولكن غير المجرب أحياناً يفعل، وتكون النتيجة إما مبهرة جداً أو كارثة للغاية، إذاً هل سبق لك أن سمعت نصيحة غير مجرّب، قد يكون وقد لا، ولكن أسمعها مني الآن، أنا غير متزوج، وسأتزوّج ربما بعد قرن، ولديّ نصيحة للمتزوجين حديثاً، وهي للزوج بالذات، وهي عبارة قصيرة وهي:

- أن يطيل باله بقدر الإمكان.!

ومن الأفضل أن يطيله لأقصى مدى، لأنه سيواجه في حياته الجديدة مواقف تتطلب الصبر الجميل، فـ الكثير من الزيجات الجديدة تتأزم بسبب عدم الصبر، ما سأقوله لك قد تمُرّ به، وقد لا تمُر، إذا كان أو لم يكن، فأنت لا تخسر شيئاً فقط تابع معي حتى النهاية.!

سأنقل لك سيناريو يحدث كثيراً للمتزوجين حديثاً، ولكن ليس بالضرورة، بعد الزواج بأقل من سنة سينتظر الزوج قدوم مولود على أحرّ من الجمر، ويتوقع هذه البشارة مُتلهفاً، وهو المسكين لا يدرى أن قدوم مولود يعني أنه سينزل عدة طوابق من عرش قلب زوجته، فاسحاً المجال للأولاد لبقية العمر، ولكن هذا أمرٌ لابد منه.!

في بداية حياتك الزوجية ستكون الملك المتوج على قلب زوجتك، ولكن تبدأ المتاعب بظهور هذا الطفل، حينها ستصرخ بنت الناس كل عشرة دقائق:

- من فضلك أريد قدح من الشاي الأحمر الثقيل!

- أذهب سريعاً إلى السوق .. أريد (برقوق) نصف استواء.!

وقد تطلب معه (لبن نعام) خالي من الدسم، وما عليك سوى الصبر الوفير.!

كل الرجال يتظاهرون بأنهم لا يدخلون المطبخ، ولكنهم بالخفاء يفعلون، وأنت من المؤكد ستفعل، ستعد الشاي بسرعة وعندما تحاول دخول الغرفة تصرخ فيك:

- انتظر خارجاً .. أففف .. رائحتك بصل .. بصل.!!

وبعدها ستكون مُمِلاًّ ومهملاً تماماً، ولا حل أمامك سوى أن تلوك الصبر، وتمد حبل المهلة بقدر الإمكان، وأطمئن، فهذا الوضع سيتغير بعد ثلاثين سنة فقط كما أخبرني جدي عليه رحمة الله.!

بعد أن يخرج الطفل إلى الحياة الدنيا، ستقضي ليالٍ طويلة وأنت تنام في الصالة أو الصالون، لأن المحروس ابنك نومه خفيف، وقد تزعجه بشخيرك العالي، وأبشّرك بأن هذا الوضع لا يدوم أكثر من سنة ونصف.! وفي هذه الفترة من الأفضل أن تتنازل عن أي مطالبات مستعجلة في البيت حتى لا تسمع كلمات من نوع:

- أصبر .. مالك أراك مستعجلاً هكذا .. وأنا التي أساهر طوال الليالي من أجل ابنك الذي لا يكفّ عن الصراخ والعويل.!

بعدها ستكتشف أن لديك موهبة مدفونة في الطبخ، نعم أدخل المطبخ، وتنازل عن فكرة أن الرجل لا يدخل المطبخ، ممكن تدخل بالخفاء حتى لا تراك جارتكم وأنت تحمّر بعض قطع البطاطس، وتجعلك أضحوكة في الحي، وستكتشف كذلك أنك امتلكت مهارات فنية عالية، وتستطيع أن تكوي أربعة بناطلين وقميصين في عشرة دقائق لا غير.!

بعد أن يصل الطفل مرحلة التمييز والإدراك، أحياناً قد تتركه لك الزوجة لترعاه، وتذهب هي لأحد المشاوير غير المهمة، ومرات يكون الولد مكارأ، يبكي بلا سبب ولا يأكل من يدك بتاتاً، وإذا رفض أن يأكل، وحتى لا تتهمك الزوجة بأنك خائب ولا يمكنك حتى إطعام الطفل، أغلق عليك باب الغرفة تحوطاً، وأنتهز هذه الفرصة لتشكر شركة (سيريلاك) على منتجهم الجديد (سيريلاك بطعم العنب).!

ستدخل في دوامة أخرى وهي تلبية طلبات البيت، وهذه تحتاج إلى الصبر الوفير، ستكتب لك زوجتك الطلبات في ورقة صغيرة، وقد تتعمد بعثرة المحتويات في الورقة بقدر المستطاع، حتى تعطيك الانطباع بأن هذا كل ما تريده، فإذا احتاجت لسبعة أصناف من البقالة، ستكتب لك ثلاثة، والبقية توزعها لك بين محتويات الخضار والبقوليات، وستكتشف هذا الأمر عندما تصل إلى الجزار، وتضطر للعودة للبقالة مرة أخرى، وعند العودة للبيت، قد تدخل يدها في كيس ما دون أن تنظر محتوياته، وتمسك بأول ليمونة فاسدة وتحدق فيها كـ صائغ يفحص خاتم مغشوش، وتصرخ فيك وهي تبعثر بقية الكيس، وتبدأ في فرز محتوياته واحدة .. واحدة وهي تصرخ في وجهك:

- ما بال البامبي لونه يميل إلى الرمادي، لابد أنه مخزّن قبل مائة عام؟

- هذه البامية طويلة جداً ولا تصلح للطبيخ!

ولك ذات النصيحة، ما عليك سوى الصبر.!

من أكبر المصائب التي تقع على رأس الأزواج الحديثين منهم والقدماء هي افتتاح محل ملابس جديد، أو محل قديم يعلن عن تخفيضات جديدة، أفترض أنك ذهبت مع زوجتك إلى هذا المحل لشراء عباءة لزوجتك المصون، أولاً ستعطيك الطفل الصغير لتحمله، مع ملاحظة أنه لا يبكي إلاّ عندما تحمله أنت.!

بعدها ستقف هي أمام أول مجموعة معروضة من العباءات قد تقف ربع ساعة وهي تحدق فيها فقط، ثم تمسك بأول عباءة وتقلّبها ذات اليمين وذات الشمال، ثم ترفعها للأعلى نحو اليمين بأقصى ما تستطيع، وتقربها نحو الإضاءة، ثم تعيدها لوضعها الأصلي، وكل هذا لا يستغرق سوى نصف ساعة، ثم تتركها وتبدأ ذات الإجراءات مع عباءة اخرى، وقد تسألك من باب تصبيرك فقط:

- اللون الأسود أفضل أم البني؟

- هذا أحسن؟

- لا .. لا .. من الأفضل أن أشتري اللون التركوازي المائل إلى البصلي حتى يتماشى مع الحذاء ذي اللون الفوشي.!

بما أنك تريد الخلاص ستقول لها وأنت تربت على الصغير الذي نام علي كتفك:

- اشتري أي واحد ودعينا نذهب.

وبعدها تدخل يدك في جيبك لتدفع بالطبع، وينطبق عليك قول الكاتب أحمد رجب حينما قال:

- لا يشكّل ارتفاع أسعار الثياب النسائية أي مشكلة بالنسبة للمرأة، لأن هنالك كائنات تُسمى بالرجال يقومون بدفع هذه الأسعار.!

وأذكرك مرة أخرى أن الصبر جميل.!

قال الرجل لـ زوجته:

- أريد أن يكون في هذا البيت بعض الرومانسية!

ذهبت الزوجة لـ أمها وسألتها:

- يا أماه .. ما معنى رومانسية؟

ردّت الأم:

- والله يا ابنتي لا أدري .. ولكن للضمان أطبخي دجاجة مسبّكة بالأرز في الغداء.!


كيف تصبح مليارديراً في أسبوع واحد بدون معلّم!

لعلك إذا سألت أحدهم هذا السؤال:
-
كيف تصبح مليارديراً في أسبوع واحد بدون معلم؟

أولاً سينظر إليك مندهشاً لعدة دقائق، وقد يشكك في قدراتك العقلية، ثم يقول لك:

-تريد أن تصبح مليارديرا؟ وفي أسبوع؟ وبلا بدون معلم؟! والله ما شاء الله؟! أكيد أنت مختلّ عقلياً على الأقل.!!؟
وإذا ألححت عليه قد تكون إجابته:
- إذ أردت أن تكون مليارديرا في أسبوع سواء بمعلم أو بدونه، لا يوجد حل سوى التخطيط السليم لـ سرقة بنك كبير.. ولا أنصحك بهذا لأنك ستصبح سجيناً لربع قرن.!
عموماً سأخبرك كيف تصبح مليارديراً في أسبوع واحد بدون معلم، فقط تابع معي حتى النهاية.!

الطموح في مجال الأعمال والبزنس يختلف من شخص لآخر، هنالك من يطمح لأن يصبح مليونير، وآخر يريد أن يكون ملياردير، ولكن ما هو الفرق بين التطلع لأن تصبح ملياردير، أو أن تتواضع وتكتفي بأن تكون مليونير، سأخبرك، من يريد أن يكون مليونير يتمنى أن يمتلك سيارة آخر موديل، ولكن الملياردير يطمح لأن يمتلك مصنعاً للسيارات ينتج نفس السيارة التي تمنيتها أنت.!

المليونير يمتلك منزلاً فاخراً أو فيلا في أرقى أحياء العاصمة، ولكن الملياردير تأبى نفسه إلاّ وأن يمتلك مجموعة جذر على المحيط الهندي بالقرب من تلك التي كانت تابعة للتاج البريطاني!.

وأخيراً المليونير قد يأخذ قرضاً من البنك بمئات الملايين، ولكن الملياردير يستطيع أن ينقذ البنك الدولي من الإفلاس.!

الآن هل عرفت الفرق؟!


لم أنسك بالطبع، فـ أنت تنتظرني لـ كي أخبرك كيف تصبح مليارديراً في أسبوع واحد، وقبل ذلك تذكر دائما أن العمر لم يكن أبدا عائقا يحول دون الانجازات المادية، فقد بدأ (راي روك) صاحب سلسة مطاعم ماكدونالدز مشروعه وهو في الثانية والخمسين من عمره. وبدأ الكولونيل (ساندرز) صاحب سلسلة مطاعم كنتاكي مشروعه وهو في الستين من عمره، فهؤلاء وغيرهم كانوا يفكرون في النجاح أكثر من العمر.!


عموماً.. ليس من الصعب أن تصبح مليارديرا، فقط امتلك المليار الأول، وبعدها سأضمن لك أن تصبح ملياردير، أما كيف تتحصل على المليار الأول، فهذه أيضاً سهلة، فـ أهل الاقتصاد لديهم بعض النظريات التي من المتوقع أن تساعدك للوصول إلى طريق الثراء والأثرياء مهما كنت رقيق الحال، أول نظرية هي:
-
إذا كنت تعاني من قلة المال فهذا ليس لأنك لا تملك ما يكفي من المال وإنما لأنك لا تملك هدفا عظيما تدخر من أجله.!
أبدأ بهذه النصيحة، وإذا لم يكن عندك شيئاً تدخره وتعمل برزق اليوم باليوم، أتبع النظرية التالية:
-
احرص على عمل ميزانية أسبوعية جيدة التخطيط, وانتبه إلى إشارات إنذار النفقات الزائدة.. لأنه إذا كان لديك هدف عظيم تتطلع إليه, فإنك بالتأكيد لن تنفق أموالك التي تعبت في جمعها في إغراءات صغيرة.!
وإذا كنت مفلساً لدرجة الإدمان، حتى أنك لا تملك الذي تنفقه لا على الإغراءات الصغيرة ولا الكبيرة، هذا معناه أن تقرأ النظرية الثالثة:
-
إذا كنت لا تحب عملك , ابحث عن وظيفة أخرى , فهناك ارتباط عضوي رائع بين النجاح المادي وحب العمل.!
نصيحة مني إليك لا تتبع هذه المقولة الأخيرة، فـ الكل لا يحب عمله، وإذا فرّطت في عملك احتمال كبير ألاّ تجد عملاً آخرا لبقية حياتك، ويمكن تعديل النظرية أعلاه إلى:
-
إذا كنت لا تحب عملك، تمسّك به حتى تضمن عملاً آخر.
وإذا لم تجد عملاً من أساسه، فهذا معناه إما أنك لم تبحث جيداً، أو الظروف لم تساعدك، وهذا يحتاج منك أن تقرأ آخر النظريات وهي:
-
لا يوجد أمامك حل سوى أن تستمتع بـ العطالة، فـ الاسترخاء قد يساعدك على التركيز حتى تلعن الظروف التي أوصلتك إلى هذه الحالة.!

أرجو ألاّ تيأس، فلا زالت أمامك الفرصة لكي تصبح ملياردير .. رجاء اقرأ هذه القصة .. ربما أعطتك بعض الأمل لـ كي تصبح مليونير على الأقل.!

سأل أحد الشباب واحداً من المستثمرين الأغنياء عن سبب ثروته الكبيرة وكيف حصل عليها؟
فقال له الثري:
-
لابد أن أقول أولاً أنه الصبر والمثابرة ولكني سأحكي لك قصتي:
عندما كنت في سنك كنت فقيراً جداً، حتى أنني كنت أوفر احتياجات أسرتي بصعوبة، وفي ذات يوم أعطاني أحدهم تفاحة لكي أقتات بها ولكني فكرت أن أبيعها، فجلست طوال اليوم ألمع في التفاحة لكي يبدو شكلها جذاباً، وفي نهاية اليوم بعتها بـ دولار، في اليوم الثاني اشتريت بـ الدولار تفاحتين وأخذت ألمعهما طوال اليوم، وفي نهاية اليوم بعتهما بأربعة دولارات، وفي نهاية الشهر كان لدي خمسين دولاراً.!
قال له الشاب معجباً بإصراره وصبره:
-
وماذا فعلت بعد ذلك؟
فقال له الرجل:
-
بعدها مات والد زوجتي وترك لها عشرة ملايين دولار بدأت بها حياتي.!

حكايات سودانية

كلمة (البصير) في العامية السودانية لها عدّة معان، ليس من بينها الذي يرى بعينيه جيّداً، فـ (البصير) عندنا أحياناً هو شخص مختصّ بتجبير الكسور في القرى عادة، وهو ليس طبيب، ولكنه مع ذلك له خبرة لا بأس في تجبير العظام، أما (البصيرة) عندنا تأتي بمعنى المرأة الحكيمة، وهناك قصة تراث سودانية مشهورة لـ امرأة تسمى (البصيرة أم حمد) وهي بمثابة حكيمة القرية، وتُستشار في جسام الأمور، إلاّ أن حكمتها تتسم بالحماقة، سأحكي لك قصّتها، وبعدها سأدعك تحكم، وستعرف أنها في ماذا يضرب بها المثل.

يُقال أن أحد (العجول) الهائمة في القرية، أدخل رأسه في (زير)، والزير هو قلّة كبيرة يحفظ ويبرّد فيها الماء، بعد أن أدخل العجل رأسه في هذه القلّة، غلبه إخراجه، أتى الكثير من المدّعين الحكمة ومن عليّة القوم في القرية، وغلبهم حل هذه المشكلة، واحتاروا كلهم في هذه المصيبة وجميعهم يتساءلون كيف يخرجون رأس العجل من الزير؟!

بعد أن أشكل عليهم حلها، لملموا أطرافهم وذهبوا للبصيرة (أم حمد) لتخلصهم من هذه الورطة، فكان رأيها السديد لهم أن يقطعوا رأس العجل!!

لم يكذّب الرجال خبراً، تسلّطوا على العجل وقطعوا رأسه، ولكنهم عادوا إليها بعد حين بمشكلة أكبر، وهي أن رأس العجل المقطوع لا زال داخل الزير! فأشارت عليهم هذه المرة أن يكسروا الزير!! فكسروه! وأخرجوا رأس العجل، وهكذا تم حل المشكلة ببصارة (أم حمد) التي جعلتها لهم (موت عجل وخراب أزيار)!.

هنالك أيضاً قصّة (بصير البئر والمستشفى)، يُحكى أنه في قرية ما، اتّصف أهلها بالغباء، كانت هنالك بئر مهجورة، ولا يمُرُّ يوم أو يومان، حتى يقع فيها أحد المارّة، فتُكسر رجله وينقل إلي المستشفى، تكرّر الأمر كثيراً، وبما أن البئر بعيدة عن المستشفى؛ لذا كان هذا يجعل نقل من تُكسر رجله أمراً صعباً، فـ كان كل همّ أهل القرية هو تقريب المسافة ما بين البئر والمستشفى، حتى لا يتعبون كثيراً في نقل المصاب.!

فكر وجهاء القرية في حل جذري لتقريب المسافة بينهما!. اقترح أحدهم إحضار إسعاف خاص بالبئر، ولكن رأيه لم يعجب الجماعة، بحجة أن الإمكانيات الآن لا تسمح بـ إحضار عربة إسعاف، اقترح آخر أن يتم تكسير المستشفى وبنائها قرب بالبئر! وواجه كذلك اعتراضاً بأن هذه الأمر مكلّفٌ جدّا.!

أخيراً أنبرى لهم أحد الأذكياء وأشار بأن يتم ردم البئر، فوافق الجميع على رأيه، وأشادوا بعبقريته الفذّة، ولكنه أردف قائلاً:

- وبعدها نحفر البئر بقرب المستشفى.!


عندما كنا في المرحلة الثانوية سأل المعلّم طالب عن تعريف في أحد فروع الرياضيات سأله:

- ما هو تعريف التفاضل؟

الطالب كان أكثرنا ذكاءً وشطارة، رد بإجابة لا نعرف حتى الآن من أين أتى بها، فهي غير موجودة في الكتاب أساساً، قال:

- التفاضل هو العملية العكسية للتكامل!

صمت الأستاذ قليلاً ثم سأله عن تعريف التكامل، أجابه الطالب بأن:

- التكامل هو العملية العكسية للتفاضل.!

الأستاذ قال له:

- يا بُني: على فكرة أنت لم تأت بأي شيء من عندك!

تذكرت هذا الموقف وأنا لا زلت محتاراً في تعريف (التفاضل) الذي راح شماراً في مرقة (التكامل)، وفي تعريف التكامل الذي صار عبارة عن ضربة ركنية للتفاضل تُعكس من أي زاوية، بعدها كلفنا الأستاذ جميعاً أن نبحث عن تعريف التكامل غير الموجود في الكتاب، وما أذكره، حتى لحظة تخرجنا من المرحلة الثانوية بأثرها لم نعرف تعريف التكامل والتفاضل.!


صفحة من مذكراتي - 4

هذه الأيام تُعشعشُ في رأسي فكرةٌ حمقاء، وخاطر يأمرني بأن أكتب مُذكراتي، أنا أعْلم تماماً أنها حماقةٌ لا يجب أن أرتكبها في هذه الأيام، وهي لـ علمي -المُذكرات- لا يكتُبها إلا من عركته السنين، وعلّمته الأيام، وصقلتهُ التَجارب، وفي ذات الوقت يكون لديه شيء يمكن أن يُحكيه، وهذا كله لا ينطبقْ على العبدِ لله، وأنّك إذا سألتَ شخص ما:
-
لماذا تكتب مذكراتك؟
ستكون إجابته:
أنه يكتُبها للعبرةِ والتاريخ حتى تستفيدَ منها الأجيال من بعْده!.
أما أنا فلا أعدكمْ بأي شيءٍ من ذلك، سأتوكّل على الحيّ القيوم، وأبدأ في سردِ بعضها حسب الظروف، وعلى عكسِ مُعْظم الكُتّاب، تجدهم يبدءون مُذكراتهم بأن القُرّاء طالبوهم بأن يكتبوا مذكراتهم ويتكلموا عن أنفسهم، أما أنا فلمْ يُطالبني أحدْ، وإنما هي مجازفة فردية، قد تكون مُملّة، ولكنني أعلم أن الزائر الكريم لديه حسٌ مرهف يمنعه من مصارحة المدوِّن بأنه ثرثار وأحمق ومُمل.!

لكن في الحقيقة لا أدري من أين أبدأ، هل أبدأ من مرحلةِ الطفولة، عندما كنا نصطادُ الطيور، ثم نذبحها بطريقة خلع الرأس ثم رميه بعيداً، أم من المرحلةِ التي تمتد من سن الـ اثني عشر وتنتهي في التاسعة عشر، وهي السنين التي يبدأ فيها المرء بالتعرف على مشاعره وعواطفه ويتحسسَ الطريق نحو الاستقلالية، وينعتْ المراهقون فيها كبار السنْ بعباراتٍ على شاكلة:
-
لا يفهمون شيئاً من الدنيا. !

أو
-
راحت عليهم

أو
-
أنهم يعيشون على نغمة أيام زمان!.
يقول المراهقون هذا وهُمْ لا يعلمون أن الدائرةَ ستدور عليهم، وسيأتي مراهقون من أصلابهم يتحفونهم بنفس القول.

في تلك الأيام -أيام المراهقة- أذكر أنني كانت لديّ عادةٌ سيئة، وهي تجميع الحكمِ والأمثال في دفترٍ صغير، وهذه عادةٌ يفعلها مُعظم المراهقين الذين يظنّون أنّهُم يفعلون شيئاً مُهماً، وكعادةِ من هُمْ في هذا الطور، يظنون أنهم على حقْ، أمّا البقية فـ أمامهم الكثير ليصلوا مرحلة فهمهم العالي.

وقد كنّا نحن المراهقين نكره كل ما يرجعنا للطفولة من قولٍ أو عمل، نحاول أن نستحثّ شواربنا بالإنبات بقدر الإمكان، نضخّم أصواتنا عند الحديث، ومع ذلك كنا نحلمُ بمستقبلٍ وردي، ونسارعُ الخُطِى لنكبر سريعاً، نملكُ آمالٍ عريضة، وأحلامٍ مستحيلة، أي انطبق عليّ مثلما انطبقَ على الكثيرين جزءٌ كبير من تِلكْ الحِكْمةِ التي تقُول:
- البشر يملّون من الطفولة فيُسارعون ليكبروا، ثم يتوقون ليعودوا أطفالاً ثانية، يفكرون في المستقبلِ بقلق، وينسون الحاضر، فلا يعيشون الحاضرَ ولا المستقبلْ، يُضيعون صحتهم ليجمعوا المال، ثم يصرفون المال ليُرجَعُوا صحتهم، يعيشون كما لو أنّهم لنْ يموتوا أبداً، ويموتون كما لو أنهم لم يعيشوا أبداً.!

عموماً يمكنك أن تعتبر هذا موجزاً لمذكّراتي، ولا أعدك أن أسرد لك التفاصيل كلها حتى لا تتهور وتضغط علامة X لتغلق الصفحة وتغلق جهازك بالمرّة، ولكن لنبدأ من البداية، من مسقط الرأس.!

وُلدّتُ في قرية صغيرة في الجهة الشرقية للنيل الأبيض اسْمها (الشوّال)، وأحبّ أن أذكّرك أنني من السودان، وقرية الشوال جميلة ووادعة، وبها أكبر عدد من الظرفاء يمكن أن تجدهم في مكانٍ واحد، وهي المكان الوحيد الذي أشاهد فيه الغروب على حقيقته، وأقصد منظر الشمس وهي تنزل تدريجياً وتغوص في أمواج النيل في منظر بهيج، وعلى الرغم من أنني عشتُ فيها أقل من أربعة أعوام؛ إلاّ أنني تأثرتُ بها كثيراً، وما أذكره أننا إبّان الطفولة كنا مولعين بصيد الطيور، حتى كنّا نظنُّ أننا أول من أدخل صيد الطير في العالم، ونستعمل لذلك –خلاف النبلة- شعرات طويلة تُقْطَعْ في العادة من ذيل حمار ضال، وتُرْبَطْ كُلّ شعرة على شكل أنشوطة في غطاء علبة لبن بودرة قديمة مخرّمة خصيصاً لهذا الغرض، نُُثَبّت غطاء العلبة على الأرض، وننثر فوقه بعض حبات الذرة، فـ يأتي طائرٌ أرْعن ليلقط الحبّ، ويقع في الفخ، ونأتي نحن الصيادين، نقبضه ونذبحه بطريقة ذكرتُها في الأعلى، ونشوِيهِ على الجمر، ثم نتقاسم الوليمة التي عادة ما تكون حوالي العشرين عصفوراً.!

أذكرُ في تلك الأيام، كنتُ أنا ومعي ابن عم ابن خالي، لا .. أقْصد أن خالي يبقي لعمته ابن أختها، أو .. لحظة من فضلكم .. أنا لستُ خبيراً في العلاقات الأسرية والنَسَبْ، المُهم أنه من أقاربي، هذا الفتي قام بمغامرة كادتْ أنْ تُكلفهُ رأسه الصغير، في ذلك اليوم لمْ نجدْ حماراً ضالاً لنقطع منه شعرات للصيد، فـ ذهبنا نحو حمار جدي المربوط بفناء الحوش الكبيرالحوش/ الفناء عندنا أكبر من ميدان الحرية- المُهم، نحن نعرف تماماً شراسة حمار جدي، فقد عضّ أحد أقاربي في أذنه ذات مرة، وكاد أن يعضني يوما ما، كنتُ أنا مُكلفاً بإشغال الحمار حتى يتسنى لـ صاحبي قطع شعرات من ذيله الكريم، أتى من خلفه بهدوء، وأذكر أنني أتيتُ بحركة حمقاء، فـ رفع الحمار رجله ورفس صاحبي في رأسه وألقاه مترين إلى الوراء.

حتى يومنا هذا، صار صاحبي كلما يراني يتحسس الكدمة في رأسه ويكاد يقول لي:
-
كلّه منكّ أيها التعيس.!


حكاية الورقة التي أضحكت وأبكت

هنالك مصطلح أو كلمة في العاميّة السودانية تُسمى (الشحتافة)، لم يجد لها أحد معنى مقابل حتى الآن، وكل ما استطيع أن أقول في تفسيرها أنها شعور بنوع ما من الضيق، وهذا التعرف غير مقنع بالنسبة لي، ولكنني بحثتُ كثيراً لأجد تعريفاً لـ (الشحتفة)، ولكن لم أوفّق في هذه المهمة السامية أبداً، والعلماء النفسيين ابتداءاً من (فلاديمير بيختيريف) وحتى (الكساندر سوثرلند نيل) – واصل في القراءة ولا ترّكز في هذه الأسماء كثيراً- كلهم عرّفوا أي مرض نفسي، ولكنهم لم يتطرّقوا إلى (الشحتافة)، قد يكون لها اسم علمي، أو قد تجدها نوع من أنواع القلق، ولكن سأجتهد وأقطع لها تعريفاً من رأسي، لأنني لم أجد لها شرحاً في (القاموس المحيط)، ولا في( لسان العرب)، وحتى في (نجعة الرائد) و(تاج العروس) لا أثر لها، وهذا مبرراً كافياً للاجتهاد، لك قصة وجدتها في عدد من منتديات الإنترنت، عدّلت فيها بعض الشيء، سأجعلك تشعر بـ (الشحتفة) بقدر الإمكان، لأنها شيء من الصعب شرحه بـ الكلمات.!

يقال أنه في إحدى البلدان كان هنالك شخص يعيش مع والده العجوز، لكن أباه مرض مرضاً شديدا، وهو يحتضر أعطى ابنه رسالة وأمره ألاّ يفتحها إلاّ بعد أن يموت، وأمَره حتى بعد موته ممنوع أن يقرأ الرسالة بنفسه، وإن أراد فـ ليعطها لـ آخر ليقرأها له.!

مرت الأيام ومات الأب، احترم الابن وصية والده لم يفتح الرسالة، وذهب بها لـ أحد أصدقائه وطلب منه أن يفتح الرسالة ويقرأها عليه، فتح الصديق الرسالة، بحلق فيها مليّاً وقال له:

- هل أنت متأكد أن والدك هو من كتب هذه الرسالة بنفسه؟!

- نعم .. متأكد!

يُقال أن صديقه طبّق الرسالة وأرجعها له وهو ينتحب ويبكي بكاءً مريراً، تتقطّع له نياط القلوب، وتلين له صخور الجبال.!

سأله الابن عمّا يبكيه، ولكن صديقه لم يزداد إلاّ بكاءاً.!

لم ييأس الابن، ذهب لشخص آخر وطلب منه أن يقرأ له الرسالة، يقال أن هذا الشخص بعد أن قرأ أول سطر من الرسالة، أنفجر في نوبة ضحكٍ هستيري مُحيّر، وهو من بين ضحكاته يسأل بين الفينة والأخرى:

- يا رجل .. أمتأكدٌ أنت أن والدك كتب هذه الورقة بخطّ يده؟

- نعم متأكد!

ثم ينفجر بـ الضحك مرّة أخرى، ويقال أنه واصل على هذا المنوال، وصار يقف في منتصف شارع الأسفلت، ويضحك لوحده بسبب وبلا سبب.!

احتار الابن في فحوى هذه الرسالة التي أبكت وأضحكت، ولكنه احترم وصية والده ولم يفتحها بتاتاً، وذهب بها إلى شخص يتوخى فيه الحكمة ورجاحة العقل، وحكى له أمر الرسالة، ذلك الرجل قال له بثقة:

- أعطني هذه الرسالة وسأقرئها عليك مهما يحدث.!

فتح الرجل الرسالة، بحلق فيها بدهشة وذهول وهو يقول لـ الابن:

- هل أنت واثق من أن هذا الخطاب كتبه والدك المرحوم بنفسه؟

- نعم أنا متأكد ؟

أرجع له الرسالة، وقام بحركة غريبة، خلع نعليه وأعطاها لـ الابن وقال له:

- أمسك هذه النعال .. وحافظ عليها جيداً؟

ثم أطلق الرجل ساقيه للريح بـ اتجاه الشمال الغربي، ولم يعدْ حتى الآن.!

هذه المرة اتخذ الابن قراره، سيفتح الرسالة بنفسه، وليحدث ما يحدث، ولكنه قبل أن يفتحها مرّت أمامه امرأة ذات منصب وجمال، فحدثته نفسه أن يجرّب النساء هذه المرّة، بعد أن قنع من كل خير في الرّجال.!

أعطي الرسالة للمرأة وطلب منها أن تقرأها له، وبعناية فتحت المرأة الورقة المطبّقة، قرأت أول كلمتين منها، ثم رفعت يدها عالياً، وخبطت الابن في خده صفعةٌ لها دوي، حتى إحْمرّ خده، وجحظت عيناه، وصنّت أذنيه، وصرخت فيه بغضب فظيع:

- يا حيوان .. يا حقير .. يا سافل.!

ولم تقف المرأة عند هذا الحد، فـ إذا بها مزّقت الورقة إلى قطع صغيرة، ثمّ نثرتها باتجاه الريح التي بعثرتها في كل مكان.!

يُقال أن هنالك اثنان لم يعرفوا فحوى هذه الرسالة أبداً، الابن .. وأنت.!