الأحد، 6 ديسمبر، 2009

عندما كنتُ مريضاً بإمتياز

عندما يتخرج طالب الطب من الجامعة بعد ستة سنوات يقضيها مكابدة ومعاناة بين أرتال المراجع وحفظ المقررات الكبيرة الحجم، تنتظره بعدها سنة أخرى تسمى بـ (الامتياز)، وهي الفترة التي يمكن تعريفها باجتهادي الخاص بأنها:

- السنة الفاصلة بين مذاكرة الطب في الأوراق وتطبيقه في البشر!.

فهنا يحتاج أن يطبق ما درسه، ويتعلم أكثر، ويكتسب المزيد من الخبرة والمران، وكل هذا يطبقه على المرضى بإشراف دكتور أكثر منه خبرة، وبعد أن يتم إمتيازه يكون –أحياناً- قد خلّف وراءه عدداً لا بأس به من الضحايا.!


موقف المواطن العادي من أطباء الامتياز موقفٌ ينحصر في أن هؤلاء الأولاد يريدون أن يستخدمونهم فئران تجارب ليس إلاّ، وأننا إذا كان الأمر بيد أي واحد منهم لن يترك طبيب امتياز يضع يده عليه، حتى وإن وقف على يمينه (أبو قراط) أبو الطب، وعلى شماله (ابن سينا) الشيخ الرئيس، وتحْدث الكثير من الطرائف عندما يري رجل كبير في السن طبيبة أو طبيب امتياز آتياً نحوه، وبعد أن يفحصه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه يبتدره بالقول:

- يا ولدي ألا يوجد من هو أكبر منك في هذه البلاد؟!


لي تجربة مع أطباء الامتياز، وأذكر عندما كنت صغيراً قرر لي الطبيب جراحة في العين اليسرى لاستئصال حبة صغيرة نبتت أسفل الجفن، وفي ذلك اليوم أتيت لإجرائها، وبينما كنت في الانتظار، رأيت أحد المرضى أتت نحوه إحدى طبيبات الإمتياز لتحقنه المخدر (في عينه طبعاً)، أدخلت الحقنة ذات الإبرة الطويلة –طولها تقريباً متر – أدخلتها في عينه بمحاذاة كرة العين الزجاجية التي لو ثقبتها ليس أمامه إلا أن يسأل الله أن يعوضه الجنة، وأفرغت فيها المخدر، انتفخت العين وصارت مثل حبة الطماطم، ولم تقف الفتاة عند هذا الحد ، فقد أحضرت كرة بلاستيكية صغيرة وعصرت بها العين بحركات تشبه التي يفعلها الفوال عندما يعجن حبات الفول بزجاجة مشروب غازي فارغة، وكل هذا لتوزيع المخدر، قلت في سرّي:

- هذا الرجل .. على عينيه السلام ..!!


بحسابات منطقية فإن الدور سيأتي علىّ لإدخال هذه الحقنة الكبيرة داخل عيني، وهنا فكرتُ جاداً في الانسحاب التكتيكي المُمرحل، لن أجازف بعيني، فإذا رجفت هذه الفتاة التي تخرجت قبل أيام وأخطأت إدخال الإبرة في عيني، حينها وبكل بساطة سأصبح أعوراً .. بامتياز!.

بينما أنا في اجترار خواطري رأيت من بعيد أربعة بنات من طبيبات الإمتياز يحملن أوراقاً وأقلاماً ويتجهن نحوي.!

- قلت: اللهم أجعله خير.!

وبعد أن وصلن بالسلامة، حيتني إحداهن:

- مرحباَ يا شاطر.!

رددت التحية بأحسن منها. وسألتني إحداهن:

- بماذا تشعر؟

فكرت أن أرد عليها بأنني أشعر بسعادة غامرة، وأخشى أن يتوقف قلبي من فرط السرور، ولكن الوقت لم يكن مناسباً للمزاح، فأشرت إلي الحبة النابتة في جفني .. وبعدها حملقن الطالبات في الحبة التي كادت أن تصبح قُبة، ثم اتخذن لهن ركناً وتكلمن حول حبتي الميمونة كلاما بالانجليزية، الحقيقة كان كلاماً كثيراً، وعلى الرغم من أنني كنت صغيراً آنذاك، إلاّ أنني غضبتُ من كوني أصبحت درساً عملياً يطبق فيه طلاب الطب محاضراتهم، ومما أغضبني أكثر أنني كنت كـ الأطرش في الزفة، لا أفهم أي شيء، ولكنني حللت الأمر، إذا كان كل هذا الكلام حول هذه الحبة الصغيرة الحمراء، فما بالك إن كانت عملية (زراعة قرنية)، أو (استبدال شبكية) –إن كانت تُستبدل- فهذه لابد أن يأتوا بمكبرات صوت لمناقشتها على الهواء مباشرة!.


التفتتْ إلي إحداهن وسألتني بما معناه:

- متى نبتت لك هذه الحبة يا ولد؟!

وبعد أن أجبتها ..دارت عجلة النقاش مرة أخرى، وهذه المرة معها تسجيل ملاحظات على الدفاتر، وهنا لعب الفأر في عبّ العبد لله، لابد أنهم بدلاً عن استئصال الحبة الصغيرة قرروا اقتلاع العين بالمرة، لأن النقاش كان فيه مغالطات مع بعضهن، وتخيلته كان على طراز:

- نقتلعها.!!

- لا .. لا من الأفضل تركها.!!

وبعدها ذهبن، وسمعت إحداهن تقول لزميلاتها:

- من الأفضل أن نذهب للبروف!

بعد لحظات سمعت اسمي بأن أدخل غرفة العمليات، وألبسوني الزي الأخضر من رأسي وحتى أخمصي، ولست أدري لماذا كل هذا العنت من أجل حبة صغيرة لو تركوها لي لاستأصلتها لوحدي بأقرب موس حلاقة.!


تمددتُ على السرير، وقرأتُ كل ما أحفظ من قرآن وأحاديث وأقوال مأثورة وأناشيد دينية، وتحلقن حولي طبيبات الامتياز والدكتور الكبير (البروف)، ومررت بتجربة التخدير بسلام، وبما أنه تخدير موضعي، لذا كنت أسمع كل ما يدور، وقد تم غلق عيني السليمة، ولحكمة لا أعلمها كنت أرى المشارط بذات عيني التي من المفترض أنها مخدرة، كانت العملية بسيطة، قلب الطبيب جفني واستأصل الحبة الصغيرة وسلمها لإحدى الممرضات التي وضعتها في فتيل صغير به محلول ما لعله الجازولين، وسمعت أن العملية انتهت ومن المفترض أن أغادر، ولكن إحدى طبيبات الإمتياز قالت للبروف كلمات بمعني أنه تبقى جزء صغير من الحبة في الجفن لم يُقطع بعد!!..

البروف جزاه الله كل خير أعطاها المشرط لتقطع هي بنفسها، وهنا دارت في رأسي الهواجس، وقلت في سري:

- لابد أن هؤلاء القوم يفتكرون هذه العين بطيخة أو ما شابه ذلك؟!


أنزلت الفتاة المشرط على عيني التي قنعت من خيراً فيها، واقتطعت ما فيه النصيب، ولكن الحمد لله انتهت العملية بسلام، وقبل أن أغادر طالبتُ بالحبة التي اقتلعوها من عيني، فهي حق من حقوقي ولن أفرط فيه، رفضوا طلبي بالإجماع، وفيما عرفت أن أطباء الامتياز يريدون أن يذاكروا دروسهم.. خرجتُ غاضباً .. ولكن بعدها أقنعوني بالمنطق بأن هذه الحبة ستستفيد منها الأجيال من بعدي!!

خرجتُ من باب المستشفى وعزاءي أنني ساهمت في تقدم الطب بـ حبة.!!

0 التعليقات:

إرسال تعليق